اليمن(المندب نيوز)وكالات

تختلف هذه الفترة عن سواها من فترات العام الدراسي في أغلب الدول العربية بأنه ينصب فيها تركيز واهتمام أولياء الأمور على المراجعة وتجهيز أبنائهم كأفضل ما يكون لخوض امتحانات نهاية السنة، يحدوهم في ذلك أمل بأن يحققوا أعلى المعدلات ويضمنوا نجاحهم.

لكن هذا الوضع لا يكون يسيرا في بلد مثل اليمن يعيش منذ سنوات على وقع حرب دامية قلبت كل شيء رأسا على عقب، مما انعكس في شكل معاناة يومية للعديد من الأطفال الذين هم في سن الدراسة فتضطرهم الظروف إلى الانقطاع عنها.

في هكذا مستوى يكون العمل الميداني خير كاشف لأحوال هؤلاء، حيث لم يكن من الصعب على “العرب” انتقاء عينة للحديث معها من الملايين من الأطفال تقريبا الذين يجوبون شوارع العاصمة اليمنية صنعاء بأياد ممتلئة ببعض المواد الغذائية أو غيرها ويعملون على بيعها للمارة.

فيما يلف آخرون على ظهورهم قطعا قماشية يحمّلون فيها بعض الأغراض ويتراكضون خلف السيارات بالإشارات الضوئية. يصطدمون بالمارة. لا يمنعهم ذلك التدافع عن مواصلة عزمهم وإصرارهم على بيع ما بحوزتهم من بضائع ومقتنيات.

ويؤكد مراقبون أن الوضع العام للتعليم في اليمن يكاد يكون معدوما خصوصا في السنتين الأخيرتين نتيجة الصراع الدائر في البلد، فيما يناشد خبراء ومنظمات دولية توفير قدر أدنى من الرعاية والاهتمام بهؤلاء الأطفال قصد تمكينهم من العودة إلى مدارسهم لإجراء امتحاناتهم مثل بقية الطلاب.

هذا الوضع يرويه الطالب بشار الذي يعيش في كنف أسرة تضم خمسة أبناء. والده ملتحق بالسلك العسكري (عاطل حاليا) بسبب الأحداث التي يشهدها اليمن وبسبب مرض ألم به ووالدته “أمية” لا عمل لها سوى لملمة جراح الأسرة المثخنة بالأسى المليئة بالابتلاءات.

واستوقفت “العرب” الطالب بشار صاحب الـ14 ربيعا لمحاورته حول ظروفه العائلية والدراسية وعن أسباب انقطاعه عن الدراسة. وتخلل ذلك تبادل الحديث معه عن الأسباب التي دفعته للعمل وترك المدرسة، فيرد الطفل بحسرة قائلا تركت المدرسة وكنت من الأوائل، إذا ما اشتغلت أنا من أين نأكل ونشرب، ومن الذي سيوفر حق الإيجار.

ويضيف عن أحوال عائلته والدي عسكري متعب في البيت، لا يقدر على العمل. هل هناك من يساعدكم؟، فيجيب: ماذا سيفعل فاعلو الخير، يعطوننا شهرا، وثلاثة أشهر بلا.. بأي صف كنت تدرس؟، انتقلت إلى الصف السادس.

وبسؤاله عن إخوته هل انقطعوا هم أيضا عن الدراسة، يرد بشار أخي يدرس في الصف الثالث، وشقيقاتي تركن الدراسة، يكفينا أن نتعاون ليدرس أخي.. إن شاء الله ما يترك الدراسة مثلي.

وهمّ أحد المارة بشراء علبتين ودفع للطالب بشار أكثر من القيمة الفعلية للعلبتين. لكنه أصر على أخذ القيمة الفعلية فقط، دون قبول الزيادة، قائلا أخشى أن أتعود ويتحول طلب الناس عندي إلى عادة. حينها لم تتحدث فقط عيناه المملوءة بالدموع، المختلطة بتصبب العرق، بل شاهدت في ذاته الصغيرة عنفوان وعزة الكبار.

الوضع الذي خلفته الحروب والأزمات المتعاقبة في اليمن أجبر هذا الطفل والملايين من أقرانه على ترك التعليم واللجوء إلى أعمال هامشية لإنقاذ أسرهم من الجوع والقهر والذل التي تلقاها من العديد من الدائنين.

وأظهر تقرير حديث لمنظمة اليونيسيف أن مليوني طفل في اليمن خارج المدرسة، منهم ما يقارب من نصف المليون طفل تسربوا من المدارس منذ بداية الصراع في العام 2015.

وكانت ممثلة اليونيسيف في اليمن ميريتشيل ريلاينو أكدت سابقا بأن جيلا كاملا من الأطفال في اليمن يواجه مستقبلا غامضا بسبب محدودية أو عدم إمكانية حصوله على التعليم”. وقالت “حتى أولئك الذين ينتظمون في المدارس لا يحصلون على تعليم جيد.

وكان تقرير صدر في مارس الماضي يحمل عنوان “خارج المدرسة: أطفال اليمن ودروب الضياع” أشار إلى عدد من الأسباب وراء زيادة تسرب الأطفال من التعليم، ومن ذلك التجنيد، حيث تم التحقق من تجنيد 2419 طفلا على الأقل منذ بداية الحرب. وبحسب تقرير منظمة اليونسكو حول التعليم للجميع 2017، فإنّ 2 بالمئة فقط من طلاب الشريحة الأفقر في اليمن واصلوا تعليمهم بعد الثانوية، مقابل 20 بالمئة من طلاب الشريحة الأغنى.

وذكر التقرير تأثر المنظومة التعليمية بعدد من العوامل منها عدم صرف رواتب الكوادر التعليمية العاملة في ثلاثة أرباع المدارس الحكومية منذ أكثر من عام مما يجعل تعليم قرابة 4.5 مليون طفل على المحك. ويمثل المدرسون في المناطق الواقعة تحت سيطرة الحوثيين نسبة 73 بالمئة من المدرسين، ويمثل الطلاب 78 بالمئة من طلاب اليمن عموما.

ومع انقطاع الرواتب أصبح هذا الدخل المتدني غير متاح، فلجأ الكثير من المعلمين إلى ممارسة أعمال يدوية لكسب لقمة العيش لأطفالهم، كالعمل في البناء بأجر يومي، أو باتوا باعة متجولين بعد نفاد مدخراتهم.

ويشير تقرير صادر عن وزارة التخطيط بصنعاء إلى أنّ متوسط نصيب الفرد داخل أسر المعلمين من الدخل وصل إلى 1.2 دولار أميركي في اليوم الواحد، وهو أدنى من مستوى خط الفقر (1.9 دولار).

وبحسب المسح الوطني لرصد الحماية الاجتماعية 2013 (أي قبل انقطاع الرواتب الحكومية عن 1.25 مليون موظف)، منع الفقر 37 بالمئة من إجمالي الأطفال خارج المدارس ومن مواصلة التعليم.

وكان هناك تفاوت كبير في حصول الأطفال اليمنيين على التعليم، إذ بلغت نسبة الملتحقين بالمدارس بين أغنى 20 بالمئة من السكان نحو 98 بالمئة مقابل 53 بالمئة فقط بين أفقر 20 بالمئة من السكان. وبلغت نسبة الأمية في البلاد 34 بالمئة، بينما ترتفع في أوساط الإناث إلى 74 بالمئة، ما يعكس التفاوت الكبير في فرص التعليم بين الجنسين.

وتشير مصادر إلى أن هناك أكثر من 2500 مدرسة باتت خارج الخدمة. من هذه المدارس 66 بالمئة تضررت جراء الاقتتال في البلاد، كما تم إغلاق 27 بالمئة و7 بالمئة من هذه المدارس بسبب استخدامها لأغراض عسكرية أو كمأوى للنازحين.

ولفتت منظمة الطفولة في تقريرها إلى أن الذهاب إلى المدارس بات يمثل خطرا على الأطفال، حيث يمكن أن يتعرضوا لاحتمال الموت على الطريق، وخوفا على سلامتهم يفضل الكثير من الآباء إبقاء أطفالهم في المنازل.

وحذر التقرير من خطورة مواجهة جيل كامل من الأطفال في اليمن مستقبلا غامضا بسبب محدودية أو عدم إمكانية حصولهم على التعليم، فيما أولئك الذين ينتظمون في المدارس لا يحصلون على تعليم جيد.

ويؤكد مراقبون أن التعليم في حالة الحرب الدائرة في اليمن أكثر سوءا، وربما يستمر هذا التدهور، إذا ما لم يتم تدارك الوضع. فالتسرب من التعليم إلى جانب أسبابه المرتبطة بالمشكلات التعليمية، فإن الحرب الدائرة في البلاد ترتبت عليها إشكاليات كبيرة فاقمت هذه المشكلة، إلى حد أصبح ينذر بمخاطر وخيمة على الأجيال القادمة.

يذكر أن العام الدراسي الحالي تأخر لشهر كامل في اليمن بسبب إضراب 173 ألفا من المدرسين في 13 محافظة، وهم الذين انقطعت رواتبهم منذ سبتمبر 2016، عدا استثناءات قليلة تمثلت في حصولهم على نصف راتب أو قسائم غذائية بالنصف الآخر بين فترة وأخرى، وهي التي توقفت بدورها بعد مآخذ كبيرة عليها تمثلت في ممارسات فساد أفقدتها جزءا من قيمتها الحقيقية.

ترك الرد