المكلا (المندب نيوز) كتب :هاني مسهور

السياسة هي حصاد تراكمي.

هذه قاعدة أساسية عندما تغيب عن ذهنية السلطان الحاكم، فإنه يصحو على ترنح سلطانه وكأنه يسير على حبل مرتخ يكاد يهوي بالسلطان من على عرشه.

ما يحدث في تركيا من تراجع متسارع في الاقتصاد، ومن انسداد الأفق السياسي واضطرار الرئيس رجب طيب أردوغان للدعوة إلى انتخابات رئاسية وبرلمانية مبكرة، كلها مجرد نتائج لواقع لطالما رفض الرئيس التركي التعامل معه بواقعية سياسية واضحة، فالمحاولة الانقلابية التي عصفت بتركيا في العام 2016 أحدثت شرخا سياسيا عميقا في المجتمع التركي، وانعكست على مختلف القطاعات سواء الاقتصادية أو الأمنية والعسكرية وحتى الاجتماعية.

من يوليو عام 2016 بدأت تركيا تعيش تخبطا هائلا حتى وصلت الأمور إلى استجداء المستثمرين العرب والأوروبيين بدعم العملة التركية، بعد أن وصلت تراجعات الليرة إلى أكثر من 20 بالمئة من قيمتها.

ملف الديون السيادية لتركيا سيقع تحت ضغط كبير إذا ضاعت استقلالية السياسات النقدية للبنك المركزي التركي عقب الانتخابات البرلمانية والرئاسية، وهذا واحد من مؤشرات أخرى تشير إلى عمق الأزمة التركية.

في الزيارة الأخيرة التي أداها إلى بريطانيا أثار الرئيس التركي رغبته في السيطرة الكاملة على السياسة النقدية، فيما نشرت صحيفة التايمز مقالة تتحدث فيها عن الانتخابات التركية، ووصفتها بأنها “ليست حرة ولا شفافة”، وقالت التايمز إن الرئيس أردوغان، أسكت جميع فصائل المعارضة التركية من أجل ضمان الفوز في الانتخابات المقبلة.

وأضافت أن الحملة الانتخابية في تركيا بدأت بخطاب للرئيس أردوغان يسخر فيه من المعارضين، ويستميل القوميين من خلال التنديد بالاتحاد الأوروبي ويهدد بقية الضالعين في محاولة الانقلاب التي أُفشلت عام 2016.

وترى أنه لا أحد يشك في أن أردوغان، الذي قضى 15 عاما في الحكم ما بين رئيس للوزراء ورئيس للدولة، سيفوز بهذه الانتخابات.

أردوغان يريد توسيع سلطاته قبل استفحال الركود الاقتصادي وارتفاع الأسعار وانخفاض سعر صرف الليرة التركية، التي تتراجع بسبب مخاوف المستثمرين الأجانب من آثار “التوجه الاستبدادي” للرئيس أردوغان

وتعتقد الصحيفة أن هدف أردوغان هو تعزيز السلطات الواسعة التي منحها له التعديل الدستوري، باستغلال الحملة العسكرية التي شنها الجيش التركي في شمالي سوريا، وباستغلال عملية إبعاد أتباع فتح الله غولن من مختلف هياكل الدولة.

وتضيف أن أردوغان يريد توسيع سلطاته قبل استفحال الركود الاقتصادي وارتفاع الأسعار وانخفاض سعر صرف الليرة التركية، التي تتراجع بسبب مخاوف المستثمرين الأجانب من آثار “التوجه الاستبدادي” للرئيس أردوغان، كما أن الحلفاء الأوروبيين أكدوا على أن باب الاتحاد الأوروبي سيبقى موصدا من دون تركيا، ما لم تتوقف عن “تقويض الديمقراطية”.

يسعى النظام التركي إلى إحكام قبضته السياسية على الحكم للانتقال إلى مشروعه الأكبر بالتمدد خارج تركيا، إضافة إلى أن أردوغان عمل منذ سنواته الأولى في الحكم على تغذية الخطاب القومي التركي وتوسيع دائـرة الاهتمام بالميـراث العثماني، واستغلال كل ما يُمكن استغلاله من فرص للترويج إلى مفاهيم الإمبراطورية، وإسقاطها على فكرة الخلافة الإسلامية، والادّعاء بأنه الأجدر بها.

ولعل القضية الفلسطينية واحدة من أكثر المسائل التي يحاول أردوغان الاستثمار فيها من خلال الترويج الإعلامي الواسع لمواقف تركيا، حتى وإن كانت متناقضة سياسيا، إلا أن الترويج لها إعلاميا يجعلها تحقق مكتسبات على صعيد شعبوي، كان أردوغان ومازال يجيد تحقيق مكاسب عالية للانتهازية التي يجيدها واستغلال البسطاء والسذج من الناس.

يبدو أن المجنزرات التركية التي عبرت تراب عفرين السورية، وكذلك تواجد تركيا على التراب العربي في قطر وفي الصومال، هي محفزات تحرك رجب طيب أردوغان وتدفع بالتنظيم الدولي للإخوان المسلمين إلى التحرك الواسع لمصلحة السياسة التركية.

وما يعزز ذلك هي رغبة جماعة الإخوان المسلمين في أن تلعب تركيا دورا محوريا في اليمن، ولعل ما تمت إثارته من لغط حول قضية أرخبيل سقطرى تأتي في هذا السياق، وهو ما يمنح الرئيس التركي الكثير من الذرائع لتغيير النظام السياسي في تركيا، وتمكينه من السلطة السياسية المجردة لتتواكب مع طموحاته وأحلام مريديه من الإخوان.

زاد من ذلك انخراط حكومات أردوغان في أزمات منطقة الشرق الأوسط، وفي مقدمتها الأزمة السورية، بشكل ساعد على تقويض الاستقرار في الكثير من دول المنطقة بما في ذلك تركيا نفسها.

وبما أن ازدهار الاقتصاد وتدفق الاستثمارات الأجنبية مرتبط بشكل كبير بالاستقرار السياسي، فإن هذه الاستثمارات بدأت بمغادرة تركيا منذ سنوات تاركة وراءها ثغرة بعشرات المليارات من الدولارات لا يمكن للقوة الاقتصادية التركية الذاتية تسديدها، على عكس ما يؤكده الرئيس أردوغان الـذي يرى أن الأزمة مؤقتة، وأن وراء تدهور الليرة احتكارات ومضاربات يقوم بها أعداء تركيا في الأسواق المالية العالمية.

ويعزز من توجه هجرة رؤوس الأموال هذه توجه المستثمرين من الأسواق الناشئة كالسوق التركية إلى السوق الأميركية خاصة في ظل تعافي الاقتصاد الأميركي وارتفاع سعر الدولار وعوائد إيداعاته وعلى السندات الأميركية.

وبناء على كل ذلك يبدو الاقتصاد التركي مقبلا على المزيد من المصاعب والمتاعب، خاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار استمرار عزوف الاستثمارات الأجنبية، وارتفاع أسعار الطاقة التي تستوردها تركيا لسدّ احتياجاتها بشكل شبه كامل.

وهو الأمر الذي يزيد من تفاقم عجز الميزان التجاري، ومن شأن ذلك أن يؤدي إلى تبعات كثيرة منها فقدان أردوغان لجزء من شعبيته بشكل قد يحرمه من الفوز بغالبية مقاعد البرلمان القادم، بما يعنيه ذلك احتمال خسارته السلطة التي ثبت أقدامه فيها بفضل استقرار العملة الذي ساعد على تحقيق نهضة اقتصادية لم تعرفها تركيا في تاريخها خلال سنوات حكمه الأولى التي شهدت انفتاحا على العالم العربي ووسط آسيا، وانفراجا سياسيا قويا مع الاتحاد الأوروبي وروسيا، إلّا أن كل هذا بات مهددا بالسقوط مع ترنح الليرة كما ترنّحت أوهام السلطان.

اترك تعليق