صنعاء على رقعة الشطرنج .. مقال لـ : هاني مسهور

لا تبدو الأزمة اليمنية بحربها واستعصاء حلها السياسي قادرة على أن تخرج من دائرة الاحتراب بكافة الأبعاد السياسية والعسكرية والاقتصادية. فمرحلة التدويل مازالت في بداياتها الأولى، فما بعد اتفاق السويد ليس كما كان قبله، ويبدو أن الحوثيين نجحوا في تحقيق معادلة الاستنزاف السياسي مقابل الاستهلاك الإعلامي التي باتت فيها الشرعية بلا طعم أو لون، وهي تغرق في ترديد عبارة المرجعيات الثلاث، بينما حدثت متغيرات كثيرة أسقطت بالضربة القاضية قراري مجلس الأمن الدوليين 2451 و2452 تواليا.

حتى نستطيع أن نفهم ماذا يدار في اليمن علينا أن نلقي نظرة سريعة على ما يجري في لبنان، فكلا المشهدين لا يكادان ينفصلان عن بعضهما. ففيما يصر حزب الله على تعطيل التشكيل الحكومي وتظهر قوى 14 آذار فاقدة للتأثير السياسي إلى درجة الشلل فيما تتأكد يوما بعد آخر قدرة ما يمتلكه حزب الله ومن معه على الإمساك بمفاصل الدولة اللبنانية، جاءت الدعوة إلى انعقاد مؤتمر تأسيسي يعيد التركيبة السياسية اللبنانية وينهي اتفاق الطائف، ويراهن حزب الله من خلاله على إغراق لبنان في الأزمات الاقتصادية المتفاقمة كورقة ضغط من أوراق أخرى سياسية وأمنية تزيد المتاعب على اللبنانيين وتستنزفهم، لتحقيق الهدف الأهم المتمثل في الخروج من اتفاق الطائف وصياغة عقد سياسي جديد يتوافق مع مكتسبات ما يسمى محور المقاومة.

في اليمن يحدث الأمر ذاته، فالحوثيون وإن أجبروا عبر العصا الأميركية الغليظة على الانخراط في مشاورات السويد فإنهم منذ البداية في مشاورات جنيف 1 كانوا قد وضعوا أهدافا محددة لم تتغير منذ العام 2015 وتتمثل في إعادة التركيبة السياسية بموجب المتغيرات التي نتجت بعد انقلابهم في 21 سبتمبر عام 2014، ويدرك الحوثيون أن العملية السياسية المستندة على مرجعية المبادرة الخليجية من الصعوبة بمكان تجاوزها، تماما كما يدرك حزب الله في لبنان صعوبة تجاوز اتفاق الطائف، لذلك تبقى الأزمة في مضمونها مسألة تغيير للعقد السياسي مهما كانت التكلفة السياسية والاقتصادية على اليمن أو على لبنان.

يبقى أن نتساءل هنا ما هي الفرص الممكنة للحوثيين لتحقيق ما يهدفون إليه؟

وهنا يلزمنا العودة إلى المشهد الدولي الذي تبدو فيه الولايات المتحدة غير ممتلكة لرؤية سياسية ليس في اليمن فقط، بل في كافة ملفات الشرق الأوسط حتى مع استراتيجيتها المعلنة ضد إيران. فحالة التشويش لدى الإدارة الأميركية ومشكلاتها الداخلية المتفاقمة تفقد البيت الأبيض الدور السياسي القادر على التأثير المباشر في المشهد اليمني، وفي هذا السياق لا بد من استعادة تلك الأيام التي سبقت صدور القرار الدولي 2451 عندما اعترضت روسيا على إشارة مشروع القرار البريطاني لإدانة إيران، ولوحت باستخدام حق النقض “الفيتو” ضد القرار مما جعل الولايات المتحدة تتراجع لتمرير القرار الذي كفل وقف العمليات العسكرية في الحديدة.

وفي المشهد الدولي لا تمتلك أوروبا أي قدرة على التأثير، فالأوروبيون يعيشون أضعف أحوالهم سياسيا منذ ما بعد نهاية الحرب العالمية الثانية. فأهم العواصم الأوروبية لندن وباريس وبرلين تخضع لأزمات سياسية غير مسبوقة، ولم تعد أوروبا تمتلك قدرة التغيير والتأثير بأكثر من مجرد ممارسة الضغوط السياسية في كافة أزمات الشرق الأوسط، واليمن ليس ببعيد عن ذلك، فحتى البريطانيون الذين كانوا عازمين على حل الأزمة باتوا لا يملكون ذلك القدر من الحماس نتيجة الوضع السياسي الداخلي في بريطانيا المتصل بأزمة الخروج من الاتحاد الأوروبي.

ترك الرد