رحلة الموت مقال لـ : عدنان باسويد

خرجت من منزلي صباح ذلك اليوم المشرق، بكل نشاط وحيوية، وكلي أمل.. إلتقيت بأصدقائي الأعزاء.. كنا نقصد تلك المحافظة الشرقية من دولتنا، في مهمة ستطول لأيام، وصلنا إلى موقف الباصات وملامح وجوهنا يكسوها التفاؤل.. دفعنا مبلغ تذاكرنا.

ركبنا ذلك الباص الأحمر اللون، كان غريباً في هيئته؛ قصيراً في طوله، مليئاً بالأوساخ، أوراق شجرة القات مبعثرة على الممر.. وبين كراسيه، وكأن الباص كان يستخدم “لوكندة” للمقيل..!

تحرك الباص بطيئاً، كانت سرعته لاتطمئن بوصولنا حسب موعد الرحلات المعتادة، كنا نعتقد انه سيوصلنا بسرعة قصوى إلى هدفنا المنشود..

نظرتُ إلى سائق الباص، ملامحهُ مشحبة نوعاً ما، بدأ يحوم حولي الشك، ان هناك شيئاً خفياً يدور في رأسه.. خاصة اننا إكتشفنا احد إطارات الباص الخلفية ممزقة، شبه تالفة.. وتدعو للخطورة.

سألته : ((أيها السائق يبدو ان هناك مشكلة تبدو من ملامحك، أدت إلى تأخر الباص في سرعته المعتادة)).. جاوبني بكل رحابة: ((ان هناك إهمال متعمد من قبل إدارة ومهندسي الشركة، حيث انهم لم يقوموا بعمل الصيانة اللازمة للباص، فحاولت ان أقنعهم بإستبدال باص الرحلة، لكنهم فرضوا عليّ ان أمشي بنفس الباص)).. وأردف في حديثه: ((انني ولأول مرة سأقود الباص إلى هذه الوجهة، ولوحدي دون اي مساعد..!!))

لحظتها إنتابني بعض الشك والتفكير والتوتر..

تباً لهم..! غير مبالين بحياة الناس ولا بمواعيدهم.

غابت الشمس.. ونحن مازلنا نسير في رحلتنا على متن ذلك الباص..

والحمدلله ستر الله علينا، فوصلنا إلى مقصدنا بعد رحلة طويلة وشاقة، إستغرقت ضعف عدد الساعات المعتادة، وكان العياء واضح من ملامحنا.

مرت أيام.. وخلالها قضينا غرضنا وهدفنا المنشود، بعدها قررنا الرجوع إلى مدينتنا.. وإتفقنا ان لانكرر غلطتنا السابقة، وعلينا الحجز في شركة نقل أخرى، لعلها تعوضنا من المعاناة التي واجهتنا في رحلة الذهاب.

تحركنا على متن باص أخضر اللون، وكانت الساعة تشير إلى (9:00) التاسعة صباحاً.. فإستبشرنا به، ولكن تفاجأنا انه متسخ أكثر من باص رحلة الذهاب التي عانينا فيها..! فحتى بقايا “الشمّة” وأوراق القات واضحة آثارها على الكراسي والممرات.

بدأ يسيطر علينا الغضب، لكن إخترنا الصمت والصبر، متمسكين بقوله عز وجل: ((ان الله مع الصابرين))..

تحركنا في رحلة الإياب.. وبعد خمسة عشرة (15) دقيقة؛ حيث تشير الساعة إلى التاسعة والربع صباحاً، توقفت أجهزة التكييف في الباص وبدأ العزم يضعف نوعاً ما..

 فإضطر السائق ان يتوقف، وخرج بعضنا من الباص لتفقد المشكلة.. فإذا بسيور مراوح الماكينة والمكيفات أتلفت (السبتة)، أما وقود الباص (الديزل) تناثر طول الطريق من جهة الخلف، وإتضح ان (بم) الديزل ظهرت فيه مشكلة، أعاقت الباص عن التحرك..

إتصل السائق بالمكتب وبالمهندس، وإندلع بينهم شجار عنيف، بسبب إهمال المهندس والصيانة الخاطئة..

فطلب السائق من مدير المكتب ان يرسل باص آخر لأخذ الأسر والركاب من على قارعة الطريق، ليواصلوا رحلتهم.. لكن مدير المكتب في البداية كان يماطل ويراوغ، ثم أرسل باص آخر، لونه أزرق، كلون السماء التي تنثر التفاؤل في نفوس البشر، فتهافتنا إليه وكلنا فرحة، بالرغم انه قديم جداً، و واضحة عليه علامات الإهلاك، ولكن بسبب معاناتنا، تجاهلنا كل ذلك.. وكنا نفكر متى سنصل مدينتنا الحبيبة.

تحرك الباص في السير لإكمال رحلتنا، وكانت عيناي تنظر في تفاصيله حيث انه قديم ومتهالك، وتراقب عن كثب، كيف لشركة نقل ان تغامر بأرواح البشر وتسمح لمثل هذه الباصات في السفر؟!!..

وبعد (5) خمس دقائق تقريباً من إكمال رحلتنا، صعد دخان كثيف من الخلف وأخذ ينتشر بين الركاب، فأحس الجميع بالهلع والخوف، خاصة العنصر النسائي الذي فقد بعضهم الوعي لصعوبة التنفس.

هرع مساعد السائق مسرعاً إلى مقصورة القيادة.. والباص مازال يسير بسرعة دون توقف، ينادي بصوته:((حريق..حريق)).. صوته الذي كان رسالة رعب وخوف للركاب.. بل الموت بحد ذاته!

بدأ الباص وكأنه يخرج عن السيطرة.. يتمايل ويهتز، وتتعالى أصوات الركاب، تطلب النجدة..

وبقدرة قادر.. تحكم السائق بإعجوبة بالمقود، حتى توقف الباص في قارعة الطريق.

خرج الجميع من الباص مسرعين والدخان في إزدياد.. ووجوههم يملأها البؤس والغضب.. فهناك نساء أغمي عليهن..!

فتح السائق ومساعده غطاء المحرك الخلفي، فإذا بدرجة الحرارة مرتفعة جداً وغير طبيعية، وهناك آثار حريق بدأ يشتعل أسفل الكرسي الخلفي للباص، سخونة الصمامات الخاصة بنقل الزيت والماء.. فتم إطفاءه وإخماده.

 

إتصل السائق بمدير مكتب شركة النقل، مخاطباً إياه: ((الباص لايمكن ان يتحرك، هناك عطب خطير ينذر بهلاك الركاب ان لم ينتبه له احد))..

فطلبنا من السائق السماح لنا بالتحدث إلى مدير المكتب، لعلنا نقنعه أو نحرك شي في ضميره كي يقوم بإرسال باص آخر في الحال دون تأخير، فالساعة تشير إلى (11:30) الحادية عشر والنصف صباحاً، والركاب تحت وطأت الشمس الحارقة على قارعة الطريق.. مع وجود نساء أغمي عليهن، لكن وللأسف دون مبالاة، قوبلنا بالرفض، وقال يجب ان ينتظر الركاب إلى الساعة (1:00) الواحدة ظهراً، حتى يتم إنطلاق الرحلة الثانية من ذلك اليوم. ثم حاولنا إقناعه بإرسال باص كي يعود الركاب إلى نقطة الصفر وينتظرون في وسط المدينة للرحلة الثانية، بدلاً من الإنتظار على قارعة الطريق تحت وطأت الشمس.. لكنه تماطل، فإضطررت وبرفقة احد أصدقائي المرافقين لي طيلة أيام رحلتي، ان نستأجر سيارة أجرة، تقلنا إلى وسط المدينة -بعد الإتفاق مع مجموعة من الركاب وأخذنا تذاكرهم- ودخلنا المكتب، خاطبنا المدير بأن يسترجع نقودنا ونقود الركاب وأعطيناه التذاكر، فتفاجأ بردة فعلنا الحاسمة والغاضبة، وحاول ان يتعذر بأن المبالغ تم إيداعها في محل الصرافة، وعلينا الإنتظار..!

لكننا أصرينا على ان يسترجع لنا مبالغنا في الحال.. فإسترجعها..!

بعدها قمنا بحجز باص صغير (16) ستة عشر راكب، وتحركنا فوراً إلى مكان وجود ركابنا الذين على قارعة الطريق، أخذناهم ثم واصلنا الطريق.. حتى وصلنا بلدتنا في تمام الساعة (9:00) التاسعة مساء.

كان العياء مسيطر على أجسادنا وملامحنا، نبحث عن وسادة لعلها تقينا من وعثاء السفر.. فقصدنا بيوتنا لنرتاح.

دار في مخيلتي شريط ذكريات تلك الرحلة المرعبة والمتعبة، التي أجهدت طاقتنا، برغم صبرنا وتحمُلنا.. فقررت كتابة هذه الأسطر القصيرة من القصة الواقعية التي واجهتنا.

رسالتي إلى سلطاتنا الموقرة، ان تخاف الله في نفسها وفي مواطنيها، فهناك عربات تحمل الآلاف من البشر بشكل يومي، لاتخضع للرقابة الحكومية، تعرّض حياة المواطنين للخطر، تخلّف من وراء إهمالها قتلى وجرحى، تفكر فقط في أرباحها وجنيها للنقود، ولا تنظر لحياة المواطن أو تقوم بتقديم خدمات ترقى لمستوى (باص سياحي).

انها شركات جشعة تطمع في إستغلال الناس، مقابل الدفع مقدماً، لتقديم رحلات عنوانها “رعب” وختامها “موت”.

ترك الرد