الجنوب العربي ” اللقمة القاتلة “ كتاب بريطاني صدر مؤخراً

المكلا (المندب نيوز) رصد

صدر مؤخرا في العاصمة البريطانية (لندن) كتاب بعنوان (الجنوب العربي : اللقمة القاتلة ) للكاتب البريطاني باتريك كريجر .. . ويبدو غلاف الكتاب على خلفية تزينها خريطة الجنوب العربي .. والكتاب يتحدث عن الجنوب العربي وثورة شعبه .. عن الحراك الجنوبي ودوره في العملية السياسية في اليمن. وفيه يرى الكاتب البريطاني كريجر منذ وقت مبكر في الثورة الجنوبية العامل الرئيس الذي يضع جدول العمل السياسي في اليمن ، كما أدرك بنظرته الموضوعية الثاقبة أن حراكنا الجنوبي سيغدو القوة التي ترسم معالم خارطة الطريق وتحدد مآل المستقبل السياسي في الجمهورية اليمنية وهو ما أثبتت الأيام صحته وبات حقيقة واقعة.

وقد تفضل في وقت سابق من العام الماضي الزميل إدريس فضل عبد الله تقديم عرض وخلفيه عن الكتاب بالقول :

كانت تلك الرؤية واضحة من عنوان مقالته الأولى عن الحراك الجنوبي “عـدن تفرض إيقاع الحياة السياسية في اليمن” والتي نشرتها له صحيفة الوسط اليمنية بتاريخ 24 مارس 2008 أي بعد حوالي تسعه أشهر من انطلاق حراكنا السلمي

في يوليو 2007.

من يومها استطاع البريطاني كريجر أن يقرأ دور الحراك الجنوبي على الساحة السياسية ، فقد كتب لافي مقالته الأنفة الذكر يقول إن القضية الجنوبية ” تجاوزت في غضون عام واحد نطاقها الجنوبي وأخذت تفرض نفسها بشدة متعاظمة على خارطة البلد وتشكل ملامح الوضع السياسي الجديد في اليمن.” ويتلمس السيد كريجر أثر الحراك الجنوبي على الوضع في اليمن، والدروس التي يتلقاها منه الشباب في صنعاء وتعز وغيرهما من المدن ، وذلك طبعا قبل انطلاقة الربيع العربي بسنوات ، فيقول: ” لقد حركت احتجاجات الجنوبيين المياه الآسنة في الشمال فانطلقت الاحتجاجات والاعتصامات في شتى المحافظات مطالبة بتغييرات جدية في سياسات ونظم الحكم.” ويخلص الكاتب في تحليله المبكرجدا لتأثير الحراك الجنوبي على النظام في اليمن بقوله: “وهكذا أصبح النظام في صنعاء يدرك يوما بعد يوم أن الوحدة مع الجنوب

لم تكن بالنزهة الممتعة.”

ويعرض الكاتب للورطة التي وقع فيها نظام صنعاء بالتوحّـد مع الجنوب فيقول: “إن النظام أضحى غير قادر على الاستمرار في حكم الجنوب بالطريقة التي يحكم بها وأن من شأن الإصرار على ذلك فقدان الجنوب بما يحتويه من خيرات تغذي شريان حياة النظام ، كما أنه غير قادر على فك عرى الوحدة والعودة الى ماقبل 22 مايو 1990.” ثم يخلص الى القول إنه “كلما اشتـدت حركة الاحتجاجات الشعبية الجنوبية كلما رجع صداها من المحافظات الشمالية وازداد عجز الحكم عن فرض الأمن وبسط النظام وانتشرت الفوضى وأخذ القلق يتضاعف لدى المجتمع الدولي من انعدام الأمن والاستقرار

في هذه المنطقة الحيوية والمهمة للأمن العالمي ما يجعله ملزما بفتح ملفات هذا البلد ومساعدة شعبه على تحقيق تطلعاته في حياة مدنية عصرية سعيدة.”

في مقالته الثانية بعنوان ” القضية الجنوبية : جوهرها ودورها في الصراع السياسي في اليمن” التي نشرت بعد عام من

تاريخ مقالته الأولى ، يشير الباحث كريجر الى أن القضية الجنوبية قطعت خلال هذا الوقت شوطا بعيدا وحققت

قفزات هائلة وسريعة على صعيد الالتفاف الجماهيري وتوحد قياداتها حول مطلب سياسي رئيس ،

ألا وهو الاستقلال عن نظام الجمهورية العربية اليمنية واستعادة الدولة الجنوبية ، ما عزز وضعها على الخارطة السياسية وكرس دورها في رسم جدول الأعمال السياسي في اليمن. ويرصد كريجر تأثير الحراك الجنوبي على نظام

صنعاء فيرى أن القضية الجنوبية أصبحت تمثل العنوان الأبرز لأزمة النظام والتحدي الأكبر أمام المؤسسة السياسية في الحكم والمعارضة على السواء. ويرى كريجر أن القضية الجنوبية تسببت في إحداث هزة عنيفة لصناع القرار السياسي

أدخلتهم في حالة اختلال التوازن وباتـوا غير قادرين على مسايرة إيقاع الحراك وانتقاله السريع من طور الى طور.

ويؤكد كريجر أن سياسة التهميش والتجاهل والتعتيم التي مارسها النظام ضد الحراك الجنوبي، ثم إتباعه أساليب القمع والتنكيل والقتل بدم بارد ضد أبناء الجنوب ، كل ذلك لم يفت ّ في عضد الحراك ، بل تسارعت وتيرته واتسعت رقعته وتصاعدت مطالبه ماجعل النظام يدرك أنه قد “فتح على نفسه بابا واسعا من الاحتجاجات الشعبية لم يكن يتوقعها حتى في أسوأ كوابيسـه” على حد وصف الكاتب.

وأمام هذا الضغط الجنوبي الهائل يرى كريجر أن النظام اضطر لإحناء رأسـه وأقدم على تنفيذ واحدة من أهم خطوات الإصلاح السياسي التي ظل يرفضها منذ قيام دولة الوحدة ، ألا وهي انتخاب المحافظين في عموم الجمهورية لعل ذلك يكون مرضيا للجنوبيين ، يمتص غضبهم ، ويهدئ ثورتهم إذ يتمتعون بحكام لمحافظاتهم من أبناء جلدتهم.

كما يرى كريجر أن التحدي الخطير الذي واجهه النظام جراء انتفاضة الشعب الجنوبي قد ظهر جليا حين اضطر الى تأجيل الانتخابات النيابية التي كانت مقررة في إبريل 2009 لمدة عامين. وهذا في نظر الكاتب كان إعلانا صريحا فهم منه العالم الخارجي أن نظام صنعاء يعاني أزمة سياسية عميقة بات معها غير قادر على القيام بوظائفـه مع لالتزام يالخيار الديمقراطي.

تأسيـسا على هذه الرؤية التحليلية والاستشراف المبكر لدور الحراك الجنوبي في الصراع السياسي في اليمن ، وتأثيره المدمر على مستقبل نظام صنعاء العسكري القبلي ، يتوقف باتريك كريجر في كتابه ” الجنوب العربي – اللقمة القاتلة” عند العقود الأولى لقيـام المملكة المتوكلية في اليمن عقب هزيمة الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى وخروج الأتراك من اليمن عام 1918. تحت راية الإمامة تزحـف جيوش قبائل حاشـد وبكيـل صـوب ما يسمـى باليمن الأسفـل التي تشمـل ألوية إب وتعـز والتهائم لتشـن حربا ضروسـا ضـد سكان هذه المناطق ، فتكتسـح المـدن وتدمـر المنازل فوق رؤوس ساكنيها ، وتبث الخوف وتنشـر الفـزع ، وتقتـلع مشـائخ ووجاهات المنطقـة وتجعل أعزة أهلها أذلـة.

يبحث الكاتب عن أسباب تلك الحروب في كتابات مؤرخي دولة الإمام وأمرائه ، فلا يعثر على سبب وجيه يفسر شن تلك الحروب لاسيما وأن مشـائخ وأعيان تلك البلاد جميعها قد أعلنوا ولاءهم للإمام ولم يظهروا شكلا من أشكال التمرد أو وجها من أوجه العصيان ، بل تجشموا مشاق الانتقال الى صنعاء للوقوف في الحضرة “الشريفة” وإظهار الخضوع والطاعة للإمام يحي حميد الدين منذ الأيام الأولى لتأسيس الدولة.

كما ينقب الكاتب في ركام كتابات ذلك العصر فلا يجد سوى توظيف مقيت للدين لإضفاء سمة القداسة على تلك الحروب من خلال وصفها “بالغزوات” مثل غزوة “حبيش” و”غزوة فتح تعز” ، و”غزوة المقاطرة” ، كما أن جيوش “الفتح” من قبائل حاشد وبكيل هم “المجاهدون” أما أبناء اليمن الأسفل المدافعون عن بلادهم أمام هذه الهجمة القبلية الطائفية فهم الفئة الباغية المارقة. ويمضي الكاتب متأملا في نتائج تلك الحروب فلا يجد سوى السيطرة على هذه المناطق التي جرى “فتحها”، والهيمنة عليها ، ونهب ماتنعم به من ثروات زراعية وحيوانية ومنافذ بحرية ، وإخضاع أهلها للقيام بأعمال السخرة لصالح المتنفذين القادمين من مناطق اليمن الأعلى من أمير اللواء ومساعديه وأركان حكمـه من قادة عسكريين وعمال قضوات وعمال نواحي وحكام شرع ومدراء مال ومدراء أمن ومدراء جمارك وغيرهم الكثير من جيش البطش والنهب في هيئة موظفي دولة في كل قضاء وناحية ومدينة وعزلة ، وكذا المشائخ من قبائل حاشد وبكيل الذين جرى نقلهم من مناطقهم الجبلية وتوطينهم في الأرض الجديدة الخضراء واقتطاع مساحات من الأراضي الزراعية لصالحهم ، وفرض تسلطهم على المزارعين ونهب ما بأيدي الرعيّة بطرق شـتى وأساليب مختلفة ومتنوعة. ولم تتوقف المطامع القبلية الطائفية عند حدود غزو تلك المناطق من اليمن الأسفل بل ظل زعماء ومشائخ حاشد وبكيل يتطلعون للسيطرة على الجنوب العربي إذ يعتبرونه فرعا من أملاكهم لابد من استرداده والاستحواذ على ما يزخر به من ثروات. وقد سلط كريجر الضوء في كتاباته السابقة وخاصة في مقالته “القضية الجنوبية .

التسلط والهيمنة المترسخة لدى حكام الشمال تجاه الجنوب ، وأبرز ، استنادا إلى مذكراتهم ، أن القيادات العسكرية والقبلية في اليمن والتي غدت تمسك بزمام السلطة في العهد الجمهوري ، لم تكن لتقـرّ أو تعترف باستقلال الجنوب في دولة مستقلة عقب جلاء الاستعمار البريطاني عام 1967 ، وإنما وجدت نفسها مضطرة لذلك بسبب ظروف الحرب التي كانت تخوضها مع الملكيين.

ولهذا هو يخلص في كتابه المتوقع صدوره قريبا الى أن حرب 1994 التي شنها الشمال ضد الجنوب كانت في حقيقة الأمر التجسيد العملي لتلك الرؤية العدوانية التوسعية المستحكمة في عقول “أهل الحل والعقد” في الشمال، وأن الهدف الرئيس لتك الحرب استكمال سيطرة قبائل حاشد وبكيل على كافة مناطق اليمن الأسفل الذي يعتبرون الجنوب جزءا منه.

لكن كريجر يرى أن نظام صنعاء قد ارتكب خطأ قاتلا حين أقدم على غزو الجنوب واحتلاله في حرب 1994. ويبحث اكاتب في العوامل التي شجعت نظام صنعاء على ارتكاب ذلك الخطأ الفاحش منها التفكك الذي أصاب النظام الجنوبي جراء صراعاته الداخلية وآخرها كارثة يناير 1986 ، وانتقال قسم فاعل من الجيش الجنوبي الى الشمال ، ثم انهيار المنظومة الاشتراكية التي كانت تسند نظام عدن ، وما تراءى لحكام صنعاء من ضعف المجتمع الجنوبي وتشتت قواه الفاعلة ، ناهيك عن سعيهم المحموم لبث الكراهية ، ونشر الضغينة ، وإشعال نار الفتنة بين أطياف المجتمع الجنوبي لإضعافه أكثر فأكثر تمهيدا للانقضاض عليه وافتراسه.

نظر حكام ومشائخ الفيد الى العدد السكاني الضئيل لشعب الجنوب فظنوا اللقمة سهلة ً على البلع قد لا تكلفهم حتى عناء مضغها. ولكن ماإن سقطت اللقمة في فم النظام وأراد بلعها حتى اعترضت في حلقه ولم تنزل ، فكظمته وسدّت عليه أنفاسه وصار يتخبط كمن به مـسّ من حال الى حال ، ومن محنة إلى محنة ، ومن أزمة إلى أزمة ، حتى تفجّـر، وتقاتلت أطرافه ، وتفككت أوصاله ، وخرّ صريعا ، وكانت تلك لقمته القاتلة.

نظام صنعاء عمل على استثمار تاريخ الصراعات السياسية والاجتماعية في الجنوب لتحقيق مآربه ومطامعه في تلك البلاد ، ولكن كان ذلك غلطته التي أودت به الى المهالك. فما إن انقضى عقد على حرب

1994 حتى بدأت القوى الفاعلة في الجنوب تتدارس السبل الكفيلة باسترداد كرامتها وسيادتها الوطنية على أرضها ،واستعادة ثرواتها من أيدي الغزاة القادمين من القبائل الشمالية ، وبناء حياة كريمة لأبنائها. وفي هذا السياق يتوقف الكاتب أمام محطات مهمة لا يمكن تجاوزها مثل اجتماع التصالح والتسامح في جمعية أبناء ردفان 2006 ثم انطلاقة الاحتجاجات الشعبية المنظمة في 7/7/2007.

واستنادا إلى مادة وثائقية غنية يظهر كريجر أن نظام صنعاء العسكري القبلي أضحى يواجه لأول مرة في تاريخه شعبا مسلحا بقدر عال من الوعي لحقوقه ، متمسكا بسيادته على أرضه ، متشبثا بحقه المشروع في إدارة بلاده ، رافضا لأية سيطرة قبلية طائفية على مقدراته ، مسنودا بتجربة نضالية وبناء وطني وثقافة مدنية راقية يستمد منها العزم والإرادة لمقاومة قبائل الفيد والنهب التي زحفت تنهب أرضه وتستولي على مقدراتها مع نزعة لا تخفى للقضاء على تاريخه الوطني ومحو هويته.

وما إن انقضى شيء من الوقت حتى بدأ نظام صنعاء يشعر أن الوحدة مع الجنوب كانت مكلفة جدا أكثر مما كان يتوقع. فقد تحولت اللقمة التي طمع في الاستيلاء عليها إلى نقمة أتت على النظام وفجرته بكامله. لقد اقتضت الوحدة مع الجنوب الالتزام بالنظام الديمقراطي الذي سرعان ما تحول عام 1999 إلى انتخاب مباشر لرئيس الدولة من الشعب. والحال أن قبائل حاشد وبكيل تمثل أقلية وسط الشعب اليمني مايعني أن أي انتخابات نزيهة ستؤدي حتما إلى سحب منصب

الرئيس من يد هذه القبائل وإنهاء احتكارها لهذا المنصب السيادي ربما غالى الأبد ، بل إن هذا حصل فعلا في انتخابات 2006 بتأكيد اللواء علي محسن الأحمر الذي اعترف أن الحضرمي فيصل بن شملان حصد أغلب الأصوات في تلك الانتخابات.

حركة الاحتجاجات الجنوبية السلمية وتضحيات شباب الجنوب ضربت نظام صنعاء في عصب مهم من مراكز سيطرته حيث كسرت حاجز الخوف والرعب لدى الجماهير في مواجهة آلته القمعية ، وأجهزته البوليسية ، فـشهد اليمن انطلاق حراك المنطقة الوسطى ، والحراك التهامي وغيرهما من الاحتجاجات الشعبية التي يكمن مضمونها في المطالبة بالحياة المدنية والمواطنة المتساوية والحكم المحلي ، وهو ما يصيب في مقتل السلطة الطائفية المطلقة التي فرضها نظام صنعاء على سائر هذه البلاد على مدى قرن كامل من الزمان.

الربط المحكم الذي يقوم به باتريك كريجر بين عناصر المشهد السياسي المختلفة لا يترك لنا مجالا سوى التسليم بأن وحدة صنعاء مع عدن مثلت تاريخيا لحظة إعلان أفول النظام القبلي وزوال السيطرة الطائفية في اليمن ، وبزوغ فجر يوم جـديد..

ترك الرد