المكلا (المندب نيوز) د عيدروس نصر

كلما حاولت بعض فروع  التنظيم الدولي للإخوان المسلمين أن تتظاهر بالقبول بالحياة المدنية والتعايش مع متطلبات ومفردات الديمقراطية وادِّعاء احترام الاختلاف، كلما أوقعها دراويشها السياسيون في ورطة تبين أن التقمص بلباس المدنية والديمقراطية ليس سوى لعبة تكتيكية تتخفى وراءها الأهداف غير المعلنة في الوصول إلى الحكم والاستحواذ على الدولة، وبوسائلها المعروفة وهي القتل والاستباحة وما يتلازم معها من سبي وتملك للإماء وكلما يرتبط بذلك من قص الرؤوس وبيع العبيد والاتجار بالسبايا، حتى مهما تجنبوا الحديث عن هذا علناً.

سأتحدث بصراحة ووضوح عن بعض الزملاء الذين عملنا معاً على مدى سنوات قاربت العقد، وكان حديث الكثير منهم عن الدولة المدنية والتعددية الحزبية والقبول بالآخر حديثا شبه يوميٍ يشعرك بأن هذ التنظيم سيقود البلاد إلى منافسة السويد والنرويج وفرنسا وغيرها من الديمقراطيات العتيدة.

غير إن اللحظات الحاسمة المملوءة بالتوتر والتي يتوقع فيها الإخوان قدرتهم على التغلب على خصومهم وتحقيق المآرب الخفية لتنظيمهم الدولي لا يترددون عن استدعاء ثقافة الفتوى وهي الثقافة التي يعتقدون أنها ستجرف وراءهم ملايين المسلمين من كل بقاع الأرض وعلى الأقل من مناطق المواجهة المسلحة التي لديهم المهارة في فتحها دون القدرة على إغلاقها، حتى عندما يكونون قد أعدوا لها إعلاميا ونفسيا ولوجستيا بما يحول الفتوى إلى نص مقدس دونه الموت الزؤام، وهنا تتوارى لغة الدولة المدنية والتعددية وغيرها من مواويل البريستيج الديمقراطي الزائف.

البيان الصادر مؤحراً عما يسمى “هيئة علما اليمن” والتي يعلم الجميع أنها هيئة التجمع اليمني للإصلاح كشف عن حقيقة واحدة لا غبار عليها، وهي أن هؤلاء يضحكون على دول التحالف العربي، وعلى المجتمع الدولي، بل وعلى اليمنيين أنفسهم وفي مقدمتهم تلك الأحزاب الكبيرة والمجهرية التي وقعت معهم وثيقة “التحالف المؤيد للشرعية”، وعلى الشرعية نفسها،  وأنهم يتهيأون للحظة الانقضاض على الجميع خصوصا وقد بدأ الإخوان حوارات سرية مع زملائهم الحوثيين، وهو ما يجعل الكثيرون يعتقدون أن الإخوان يتهيأون لدمج فتواهم مع فتوى الحوثيين، لتشكيل “دولة الخلافة الإسلامية” التي ستكون التجربة الناجحة الأولى في المنطقة العربية بعد فشل تجربتهم في مصر في العام 2013م.

لم ينس ولن ينسى الجنوبيون فتوى العام 1994م المشهورة للوزير الديلمي حينها (وهو من قادة الجمعية إياها)، والتي أباح فيها قتل النساء والأطفال والعجزة وكل المدنيين الجنوبيين بدعوى “التترس” عندما أقبل هؤلاء بآلاف الرعاع لينهبوا ما فوق الأرض وما تحتها، مما غلى ثمنه وما رخص، حتى أحجار المباني وإطارات سيارات التشليح، وبراميل البريد وبراميل النفايات، ناهيك عما تلى ذلك من استبعاد كل مواطني الجنوب والاستيلاء على أملاكهم الشخصية ومنشآت وأملاك الدولة فضلا عن نهب الثروات وتقاسم منابع النفط وشواطئ الاصطياد وكل ما يعرفه القاصي والداني مما تعرض له الجنوب بـ”فضل” هذه الفتوى.

لا يمكنني هنا إلا القول لهؤلاء إنه لا يمكن الجمع بين السياسات التي تحترم التنوع والتعدد والاختلاف الحر والديمقراطي وبين الفتوى التي تبيح قص الرؤوس واستباحة المحرمات بدعوى الغنيمة، ولا أرى قادتكم إلا ميالين إلى الأخيرة لأنها أكثر جلباً للأرباح وأقصر الطرق لحشد المخدوعين، وأسهلها للوصول إلى الحكم وأسرعها لبيع الأوهام وتزيين القصور وحور العين للشباب المراهقين المغشوشين بشعاراتكم .

لكنني أقول أيضاً: لقد شب الناس عن الطوق، ولم يعد هناك من يتهيج لصراخ دراويشكم في المساجد فيمتشق سلاحه للجري وراء فتاويكم وأضاليلكم، بعد أن عرّى الزمن تلك القيادات التي تاجرت بكل شيء من أرواح ودماء البشر حتى النصوص القرآنية والأحاديث النبوية، وصار هؤلاء القادة من أثرى أثرياء الأمة على المستويين اليمني والإقليمي، بينما أمطرتم آباء  وأمهات ضحايا خداعكم ببيانات النعي والنحيب والدعاء لهؤلاء وإسدال الستار على أسماء أبنائهم القتلى.

الفتاوي كشّاف فحص لكل من يدّعي الديمقراطية والمدنية، بل هي مؤشر فشله عند أي اختبار.

ترك الرد