المكلا (المندب نيوز) تقرير: جمال محسن الردفاني

بابتسامة باهتة، وضحكة ذابلة قابلتنا الطفلة طيف عبد اللطيف (11 عاماً)، ضمن تجمعٍ للأطفال في إحدى مناطق مديرية حبيل جبر ردفان محافظة لحج.

“اشتي اكمل تعليمي” بلهجتها العامية هذه افتتحت “طيف” حديثها وبصوت تملؤه الحسرة تقول: “حزينة، أني ذكية، وأشتي اروح المدرسة لكن.! تصمت لبرهة وتكمل: المدرسة بعيدة وضروري أساعد أمي في البيت”.

تشير “طيف” -اسم مستعار- إلى أنها مستاءة جداً منذ علمت باستحالة عودتها إلى المدرسة، في وقت كانت تحلم بمواصلة تعليمها حتى بلوغ الجامعة وتغدو طبيبة مختصة تعود بالنفع على أسرتها ومجتمعها، حد قولها.

ختمت طيف حديثها، وانسلت بخطوات بائسة خلال سرداب يوصلها إلى المنزل، غابت عن الأنظار تاركة خلفها ضحكات الأطفال وزهوهم.. وفي خاطرها غصة تحكي تبدد أمنياتها الدراسية وتلاشي طموحاتها التعليمية، قبل بلوغها المستوى الرابع ابتدائي. غادرت لتتركنا في مشهد تراجيدي حزين.

الحرمان من التعليم

“أمل عادل” ذات الــ 10 أعوام وقفت في اليوم الأول من العام الدراسي الجاري بمدرسة العسلة، متأملة بأعين أبهتها الحزن إلى مقاعد زميلاتها اللواتي لم يستطعن العودة إلى المدرسة، وباتت أماكنهنّ فارغة في الفصل، لتنتظر هي وزميلاتها الأخريات مجيء الدور نفسه، في بلاد بات فيها قانون “الحق في التعليم للجميع مجرد شعار لا أكثر”.

وليست “طيف” أو زميلات “أمل” فقط هنّ اللواتي حُرمِن من الحق في التعليم في مديريات ردفان وأجبرنَّ على التسرب المدرسي، فهناك مئات الطالبات يجدن أنفسهن سنوياً خارج المدارس أو لم يلتحقن بالتعليم أصلاً، في ظاهرة عزوف وتسرب غير مسبوقة، وتنذر بمخاطر تعليمية وإنسانية واجتماعية جمة، دون وجود تحركات حقيقية لمعالجتها.. 🔳 زيادة في أعداد المتسربات

وتظهر البيانات الصادرة عن مكاتب التربية في مديريات ردفان أن 308 من الطالبات اللواتي أكملن امتحانات إنهاء المرحلة الأساسية بنجاح في العام 2017/2018م لم يستطعن الالتحاق بالتعليم الثانوي في العام 2018/2019م.

واستناداً الى إحصائيات السكان التي تشير إلى تقارب أعداد الإناث والذكور الذين يقعون بين سن السابعة والسابعة عشر في مديريات ردفان والذي يفترض أن يتوزعون بين الصفوف الأول ابتدائي والثالث الثانوي، فإن 900 طالبة حُرمت من فرصة الالتحاق بالصف الأول الثانوي خلال العام 2018/ 2019م مقارنة بأعداد الطلاب الذكور في ذات المستوى، بينهن 303 طالبات تسربن عن الدراسة خلال العام الأخير.

وفي هذا السياق أوضحت البيانات الصادرة عن إدارات التربية والتعليم بمديريات ردفان، أن مستويات تسرب الفتيات عن الدراسة تصاعدت بشكل كبير.

وبرغم كونها مشكلة عامة إلا أنهم يعانون منها بشكل أكبر نظراً لواقع المديريات الصعب، كتفشي الفقر، تباعد المناطق، وعدم تقبل بعض الأسر للتعليم المختلط وغير ذلك.. لافتين إلى أن “افتقار المدارس للتجهيزات الخاصة بالطالبات وغياب الكادر النسائي ضاعف أعداد المتسربات”. مناشدين جهات الاختصاص للتعاون لمعالجة هذه الظاهرة وكذلك معالجة وضع التعليم في ردفان بشكل عام.

 من يلتحقن بالتعليم الجامعي قِلة

وقالت رشا علي صالح، وهي رئيسة دائرة الطالبات باتحاد طلاب حبيل جبر ردفان – عدن سابقاً: “إن خريجات الثانوية العامة من مديريات ردفان لا يلتحق منهن بالدراسة الجامعية سوى عدد بسيط، وهن اللواتي تستطيع عائلاتهن الانتقال للعيش في عدن”، مؤملة أن “يعمل تشكيل اتحاد طلاب ردفان على تحقيق طموحات الطالبات ويعينهن على الالتحاق بالكليات ويشجعهن على الدراسة بشكل أكبر”.

من جهتها تقول التربوية وفاء محضار “إن مختلف مسببات تسرب الفتيات عن الدراسة تتشابه في مديريات ردفان”، مشيرة إلى أن “انعدام المدارس الخاصة بالفتيات أوجد بيئة لا تشجع الأهالي على تعليم بناتهم”، لافته إلى أن “عدم التوعية بهذه المخاطر والسعي لمعالجتها يفاقم انهيار الوضع التعليمي ويهدد المجتمع بدون استثناء”.

وأوضحت محضار، وهي مديرة إدارة تعليم الفتاة بمكتب التربية والتعليم محافظة لحج، أنه وعلى الرغم من الجهود التي يبذلها الجانب التربوي، إلا أن التسرب المدرسي مازال معضلة كبرى، موضحة بأنه في حال استمرت هذه الظاهرة فإن ذلك تترتب عليه مخاطر غير عادية.

وبحسب وفاء محضار، فإن ظاهرة التسرب المدرسي من أصعب المشاكل التي تعاني منها مناطق ردفان، لما لها من آثار سلبية تؤثر في تقدم المجتمع وتطوره، حيث تساهم بشكلٍ أساسي في انتشار الأمية.

وحذرت من أنه “في حال استمرت ظاهرة التسرب فإن ذلك سيؤدي بلا شك لتفشي الجهل وانتشار الأمية، ما يعني انهيار المجتمع وتفككه”، مؤكدة بأنه “لابد من بذل جهود عاجلة للحيلولة دون حرمان جيل كامل من الفتيات من فرصة الحصول على التعليم”.

أسباب ظاهرة التسرب

ويقول رئيس قسم علم الاجتماع في جامعة عدن د. سيف عبد القوي، وهو مختص في شؤون تعليم الفتاة “إن أسباب ازدياد أعداد المتسربات عن الدراسة، تعود إلى نقص الخدمات، العادات والتقاليد، بعد المدارس، الوضع الإنساني الذي خلفته الحرب، ونقص الوعي لدى الأهالي”.

ويعيد د. عبدالقوي أسباب تضرر الفتيات من التسرب التعليمي إلى “تفاقم الوضع الإنساني، نقص الخدمات، العادات والتقاليد، الزواج المبكر، وكذلك تسخير الفتيات لشؤون تدبير المعيشة كجلب المياه والحطب، ورعاية الأطفال والقيام على شؤون المأوى، إضافة لبعد المسافة حتى أقرب مدرسة، وعدم إيلاء جهات الاختصاص العليا اهتماما بالتعليم والتوعية بأهميته لكل أفراد المجتمع”.

وأكد أن من بين الإشكاليات التي ضاعفت التسرب المدرسي، هو جهل المواطنين بخطورته، وارتفاع مستوى الأمية لدى الوالدين، وارتفاع التكاليف المترتبة على تعليم الأبناء ونحو ذلك.

ويشير إلى أن تسرب الفتيات عن التعليم أوجد بيئة شبه خالية من الكادر النسائي، الذي من المفترض أن يقوم بخدمة النساء في المرافق الصحية والتعليمية ونحوها، مبيناً بأن استقدام طبيبات من مناطق خارج ردفان للعمل في المشافي يؤكد غياب الكادر المحلي، وهو الأمر الذي يعود لمشكلة عدم مواصلة الفتيات تعليمهن.

 أوضاع إنسانية وتعليمية صعبة

وقالت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) في بيان صادر عنها أواخر سبتمبر من العام الحالي إن مليوني طفل يمني باتوا خارج المدارس بما في ذلك ما يقرب من نصف مليون تسربوا من الدراسة منذ تصاعد النزاع في مارس 2015م. كما بات تعليم 3,7 مليون طفل آخر على المحك، حيث لم يتم دفع رواتب المعلمين منذ أكثر من عامين.

وحذر البيان من أنّ عدم التحاق الأطفال بالمدارس يعرضهم لمخاطر وانتهاكات لا حصر لها من الاستغلال، سوء المعاملة، عمالة الأطفال، والزواج المبكر. كما أنهم يفقدون فرصة النمو والتطور في بيئة تحيطهم بالرعاية والتشجيع، ويصبحون عالقين في نهاية الأمر في حياة يملؤها العوز والمشقة.

وأدى تصاعد النزاع الراهن في البلاد وما رافقه من أوضاع إنسانية إلى تراجع كبير في أعداد الفتيات الملتحقات بالدراسة، حيث والكثير من الأهالي لا يستطيعون تحمل الأعباء المالية المرافقة لتعليم أبنائهم، كما أن كثيراً من الأسر لا تستطيع تأمين عملية انتقال الفتيات من المنزل للمدرسة، إضافة لوجهة نظر بعض المجتمعات من تعليم الفتاة، مما أدى

إلى زيادة أعداد الطلاب المتسربين من المدارس، لاسيما “الفتيات” وبالتالي حرمانهم من حقهم في التعليم وحرمانهم من أملهم في مستقبل أفضل.

مديريات ردفان واحدة من المناطق التي تعيش خارج نطاق رعاية الدولة منذ سنوات، من تدهور البنية التحتية، ونقص حاد في الفصول الدراسية والمعلمين والكتب المدرسية، وتغيب عنها التوعية التعليمية، وهو ما أثر على جودة التعليم، لتأتي الحرب لتلحق دماراً واسعاً في نظام البلاد التعليمي الهش أصلاً، وتضاعف تدهور الوضع المعيشي للأسر.

وطالب د. عبدالقوي الجهات المعنية في المحافظة والوزارة والمنظمات الإنسانية بزيادة الاهتمام بالجانب التعليمي والتربوي، وتزويد المدارس بمختلف الاحتياجات المساعدة على تعليم الفتاة.

وأضاف: “يتوجب أيضاً تكثيف الجهود ومتابعة الجهات المختصة، وكذا المنظمات الإنسانية الداعمة، لتوفير الضروريات للحد من ظاهرة التسرب المدرسي، والتقليل من أعداد المتسربات عن الدراسة”.

وتقع على أولياء الأمور مسؤولية غير عادية تجاه بناتهم، فحرمانهن من الدراسة أمر بالغ الخطورة وقد لا يدركونه إلا متأخرين.

 خاتمة

في ظل تزايد أعداد الطالبات المتسربات وإرتفاع ظاهرة التسرب بين الطلاب بشكل عام، نتساءل ما اذا كنا سنرى توجه فاعل وتشُكّل وعي مجتمعي بناء لمجابهة المشكلة أم أن المخاطر هذه ستظل تقطف أحلام الطلاب وتهدد مستقبلهم دون وجود حلول حقيقية.!؟

سؤال بحاجة إلى إجابة ناجعة، فيا ترى من سيجيب ومتى .!؟؟

ترك الرد