الجنوب من المطالبات الداخلية إلى الشراكة الخارجية مقال لـ :وليد بامرحول

سأتحدث هنا عن اللقاءات التي عقدتها القيادة الجنوبية ممثلة بالمجلس الإنتقالي الجنوبي وتحديدًا بالرئيس القائد عيدروس الزُبيدي والوفد المرافق له، سوى تلك اللقاءات التي عُقدت في المملكة العربية السعودية أو في دولة الإمارات العربية المتحدة.
قبل الحديث عن هذه اللقاءات وأهميتها سأتطرق إلى الحديث عن المراحل التي مرة بها القضية الجنوبية وتمثيلها السياسي، وكيف كانت في الماضي وكيف أصبحت في الوقت الحالي، حيث إنتقلت المطالب السلمية الداخلية إلى شراكة دولية من خلال القوة التي يمتلكها المجلس الإنتقالي الجنوبي ودورها في مكافحة الإرهاب.
مرت القضية الجنوبية من وجهت نظري بأربع مراحل مهمة وهي :

أولاً : مرحلة التأسيس أو الظهور

ظهرت ملامح هذه المرحلة في منتصف العام 1994م عندنا تم إعلان فك الإرتباط وإنهاء الوحدة اليمنية التي قامت في 22 مايو 1990م، عقب هذا الإعلان وماتلاه وترتب عليه من حملة عسكرية يمنية إنتهت بإجتياح وإحتلال الجنوب في 7 يوليو 1994م.
ظن نظام صنعاء بذلك الوقت وبعد هذه الحرب (حرب المنتصر) أنه إستطاع أن يقضي على الأصوات الجنوبية المطالبة بالإستقلال وفك الإرتباط، وهو بالأساس عمل على ظهور هذه القضية الجنوبية.
رفضه الإعتراف بهذه القضية وإيجاد الحلول المناسبة لها كونها قضية حديثة عهد من السهل حلها بطرق سليمة ترضي الطوفين شمالًا وجنوبًا أدى إلى تفاقمها حتى وصلت إلى ما وصلت إليه اليوم.

ثانياً : مرحلة الثورة الشعبية السلمية

المرحلة السابقة قامت بها قيادة جنوبية كانت شريكة في صنع الوحدة اليمنية، أما هذه المرحلة والتي قامت في العام 2007م فقد قام بها بعض من الذين فصلهم نظام صنعاء من وظائفهم تعسفًا مستغلين غليان الشعب.
البعض من أولئك القادة فقدوا مصالحهم ووجدوا غليان الشعب فرصة لإظهار صوتهم ونيل جزء من حقوقهم والبعض منهم كان صادقًا في دعمه لهذه القضية.
إستغل حزب الإصلاح ممثل الإخوان المسلمين في اليمن الكثير من القادة وخصوصًا ضعفاء النفوس منهم كورقة ضغط على نظام صالح، وعمل على دعم تلك القيادات الجنوبية (قيادة الحراك الشعبي الجنوبي) بكل وسائل الدعم مشترطًا عليهم عدم المطالبة الجدية بالإستقلال وعدم تكوين قيادة موحدة لتمثل الجنوب في أي حوارات قادمة، والدليل على ذلك هو دعمه لهذه القيادات في الوقت الراهن وعدم المطالبة الجدية من هذه القيادة بإستقلال الجنوب.
وللإسف عملت هذه القيادات على إخفاء الصوت الجنوبي وعدم إظهار حقيقة القضية الجنوبية للعالم في الوقت الذي عمل فيه نظام صنعاء على تصوير القضية الجنوبية للعالم بأنها قضية صغيرة وأن قيادتها تعمل على عرقلة عملية السلام وأنها تسعى لعودة النظام الإشتراكي إلى المنطقة.
كثير من الدول بما فيها العربية كانوا ينظرون للقضية الجنوبية بأنها قضية تهدد المنطقة كون الجنوب كان ينتهج النهج الإشتراكي وأن قيادة هذه القضية كان البعض منهم قيادات عسكرية في دولة الجنوب وأنهم يسعون إلى عودة هذا النظام الإشتراكي البائد.
قيادة هذه المرحلة أخفقت في بعض الجوانب كإبراز القضية الجنوبية وإيصال صوتها للعالم ولكن في المقابل نجحت في جوانب أخرى كإثارة الشعب الجنوبي، وأسست لثورة شعبية أوصلت القضية الجنوبية إلى ما وصلت إليه اليوم.

ثالثاً : مرحلة الثورة الجنوبية المسلحة

هذه المرحلة هي إمتداد للمراحل السابقة، وبدأت تحديدًا عام 2015م عندما قامت ميليشيات الحوثي بإقتحام العاصمة عدن، حيث تشكلت بذلك الوقت النواة الأولى للمقاومة الجنوبية المسلحة والتي قاومت التواجد الحوثي مع بداية دخوله للعاصمة عدن وقبل قيام وإعلان عاصفة الحزم، وعندما قامت عاصفة الحزم إستبشر الجنوبيين خيرًا بهذه العاصفة المباركة ووجدوها فرصة لفرض أنفسهم كقوة على الأرض وكانوا أحق بذلك من غيرهم خصوصًا بعدما هروب الرئيس هادي وبقية الوزراء والمسؤولين من عدن.
وجد التحالف العربي غليان الشعب الجنوبي ورفضه لتواجد الميليشيات الحوثية التي يختلف معها ثقافيًا وعقائديًا وفكريًا فرصة لتسليح هذا الشعب لطرد المليشيات الحوثية الغازية من عدن التي تشرف على أهم مضيق وممر مائي (مضيق باب المندب) حيث أن سيطرت هذه الميليشيات على هذه المنطقة سيشكل خطرًا وتهديدًا للملاحة الدولية فكان هناك تلاقي مصالح بين أبناء الجنوب ودول التحالف.
ووجد أبناء الجنوب الفرصة لتشكيل المقاومة الجنوبية كون التحالف تعهد لهم بالدعم اللوجستي وبالفعل قامت هذه المقاومة ومن خلال الدعم المقدم لها بعمل جبار وحققت إنتصارات على الأرض مما جعل التحالف يضع ثقته فيها ويدعمها، بل ويجعلها سند لقواته التي أنزلها على الأرض.
وجود القوات الإماراتية في عدن أتى بعد ثقة قوات التحالف بقيادة المقاومة الجنوبية والشعب الجنوبي الوفي والتواق للحرية، وبوجود هذه القوات إستطاعت المقاومة الجنوبية بمعية قوات التحالف أن تحقق إنتصارات متتالية على الأرض حتى إنتصرت وأعلنت عن تحرير عدن من الوجود الحوثي.
عملت قوات التحالف وتحديدًا الإمارات على دعم المقاومة الجنوبية بالسلاح وكان لقوات التحالف الدور الكبير في إشهار المجلس الإنتقالي الجنوبي ومن ثم تشكيل وحداته العسكرية ممثلة بقوات النخب والأحزمة الأمنية.
هذه المرحلة تعتبر إنطلاقة حقيقية نحو الإستقلال حيث تم فيها تكوين أحد أهم مقومات الدولة وهو الجيش ممثلًا بالقوات التي يمتلكها المجلس الإنتقالي الجنوبي على الأرض، وكذلك تم فيها إشهار المجلس الإنتقالي الجنوبي ولكن لم يكن ذا طابع شرعي، وهذا الطابع سنوضح كيف تحص عليه في المرحلة القادمة.

رابعًا : مرحلة التمثيل السياسي

هذه المرحلة لم نكن لنتوصل إليها لولا وفاء الشعب الجنوبي وقيادته للتحالف وصدقهم معه وعملهم على حماية وجودهم على الأرض، ووجود أرضية مشتركة بين الجنوب ودول التحالف العربي تتمثل في مواجهة المد الفارسي ورفض التواجد الإخواني المدعوم تركيًا وقطريًا.
إنجازات أبناء الجنوب على الأرض جعل التحالف يتمسك بهم ويدعمهم بكل وسائل الدعم، فالتحالف وجد الأحداث الأخيرة التي حدثت في عدن بين قوات المجلس الإنتقالي الجنوبي وقوات الشرعية فرصة لإضفاء الطابع الشرعي والرسمي لقيادة المجلس الإنتقالي الجنوبي وقواته المسيطرة على الأرض كممثل شرعي لشعب الجنوب وحامل لقضيته وذلك من خلال دعوة الطرفين للحوار في جدة.
حوار جدة وماتلاه من إتفاق الرياض أجبر الشرعية على الإعتراف بالمجلس الإنتقالي وقواته وكذلك أسس للمجلس قاعدة يسير عليها في رسم خارطة المستقبل من خلال شرعنة وجوده.
في هذه المرحلة تم إضافة الطابع الشرعي لأحد أهم مقومات الدولة التي تحققت في المرحلة السابقة وهي السلطة والجيش ممثلة بقوات المجلس الإنتقالي بكل مكوناتها، ومنها إنطلق المجلس الإنتقالي وقيادته إلى عقد اللقاءات الخارجية مع ممثلي الدول العظمى كأمريكا وروسيا وبريطانيا وغيرها.
هذه اللقاءات تأسس لمرحلة مابعد الإستقلال سيما وأن الدول العظمى تعي أن الشعب الجنوبي لديه مطلب واضح وهو تقرير المصير وإعادة الدولة الجنوبية إلى حدود ماقبل 1990م، وأنه من الصعب أن يحيد هذا الشعب عن هذا المطلب وتعلم تلك الدول أيضاً أن إرادة الشعوب لا تقهر ولا بد من إحترامها وتدرك أن قيادة هذا الشعب ممثلة بالمجلس الإنتقالي الجنوبي لديها قوة على الأرض من الصعب أن تفرط فيها، ومن خلال كل تلك المعطيات السابق ذكرها تولدت لدى تلك الدول العظمى قناعة تامة أن مسألة إستقلال الجنوب هي مسألة وقت ليس إلا وأن قيام دولة الجنوب قادم لا محالة فأرادت أن تكسب قيادة هذه الدولة التي تلوح في الأفق، كل ذلك من أجل مصالح إقتصادية كون الجنوب من أغنى المناطق في المنطقة العربية والعالم.

ترك الرد