أبين المتهمة .. المظلومة مقال لـ: د عيدروس نصر

منذ أيام كنت قد نشرت رسالة إلى فخامة رئيس الجمهورية المشير عبد ربه منصور هادي عنونتها بــ”أنتم بحاجة إلى قادة يخجلون”، تناولت فيها قضية ضحايا التفجير الغادر المبهم في معسكر الاستقبال بمأرب والذي ذهب ضحيته حسب آخر الإحصائيات مائة وخمسة وعشرون شهيدا وأكثر من ثمانين جريخا، وفور ذلك نواصل معي الكثيرون من أبناء محافظة أبين ومعظمهم من مديرية رئيس الجمهورية والمديريات المحيطة بها من أقرباء وأصدقاء لبعض الشهداء والجرحى، معلقين على المنشور زعبر الكثيرون عن الامتنان لما تعرضت له.

 وإذ أشكر كل المتصلين والمعلقين فقد أحببت تسليط الضوء على بعض المظالم المرتكبة بحق محافظة أبين وأبنائها دونا عن الكثير من المحافظات المظلومة.

 وسأبدأ بالمظلمة الأحدث، وهي تعريض 125 شهيد وأكثر 80 جريحاً، من ابناء أبين من لواء الحماية الرئاسية للمجزرة التي جرت في معسكر الاستقبال بمارب، فقد استدرج هؤلاء الشباب الانقياء وكلهم من أنصار الرئيس هادي وبعضهم من مأقربائه وأبناء مديريته، تحت وهم التأهيل والتدريب وإعدادهم لمعركة قادمة، ولديهم قادة على استعداد أن يرسلوهم إلى أي معركة  ومذبحة إلا مواجهة الحوثيين، وهذه الجريمة لا يمكن أن تمحوها بيانات العزاء ولا شطحات التهديد والوعيد ولا توزيع الاتهامات هنا وهناك، فالمتهم الأول هو من خدع هؤلاء الشباب وأنزلهم فوق موقدة لا تحرق نيرانها غيرهم ومن قبلهم الجنود الإماراتيين، وقد أثارت هذه الحادثة عاصفة من الأسئلة منها: كيف تم تفريغ الجامع المستهدف بالقصف لأبناء أبين دون سواهم، ولماذا لم يكن بينهم قائداً واحداً من القادة المتنفين ولو من المستوى المتوسط، ولا نتساءل عن نائب الرئيس (الذي هو العسكري الأقدم في تاريخ اليمن) ولا عن وزير الدفاع الذي يفترض أنه يقود المعارك في مأرب؟ ولماذا لم تصب صواريخ صاحب القصف أحداً سواهم؟ ولماذا لم يتخذ القادة الإجراءات الوقائية المتعارف عليها لحمايتهم من الموت الذي كان ينتظرهم؟

  هناك أكذوبة كبيرة انطلت على الكثير من المواطنين والمثقفين والسياسيين في الشمال والجنوب على السواء، وهي إن أبين هي من يحكم اليمن، وقد نشر كاتب شمالي مرموق مقالة مطولة عن مظلومية الجنوب أصاب في حديثه فيها عن الظلم الذي تعرض ويتعرض له الجنوبيون لكنه أخطأ في القول بأن رئيس الجمهورية لم يشرك في الحكم سوى أبين وشبوة، وسأتجنب هنا فرضية أن هذا جزءٌ من محاولة دق الأسافين بين الجنوبيين، لأشير أن الغالبية الساحقة من أبناء أبين ومثلها شبوة هم الأكثر فقراً وحرماناً من الخدمات ومن فرص العمل والحصول على التعليم العالي، ومن مشاريع التنمية، وهذا لا ينفي حرمان ومظلومية بقية المحافظات، لكن وجود َوزير او وزيرين أو حتى عشرة وكلاء أو مدراء وبضعة موظفين من أبناء أبين او شبوة أو اية محافظة شمالية أو جنوبية لا يعني أن هذه المحافظة هي من يحكم، فالحكم في اليمن يتم عبر مراكز قوى ولوبيات ومجاميع ضغط وابتزاز لا تمتلك أبين شيئاً منها وحتى الفاسدين من أبناء أبين لم يوظفوا ولو جزءً ضئيلاً مما يحصلون عليه لتحسين أوضاع مناطقهم كما يفعل الفاسدون الشماليون المحترفون.

 أعود إلى مذبحة لواء الحماية الرئاسية في مأرب لأدعو جميع أبناء الجنوب المخدوعين ممن يعتقدون أن مواجهتهم لإخوانهم الجنوبيين وتزلفهم لأثرياء الحرب وتجار الأسلحة ورواد الغزو للجنوب، سيحسن وضعهم وسيجعلهم محل تقدير عند الغزاة (القدامى ـ الجدد) ولقد بلغتني أخبار تحز في نفس كل من لديه ذرة كرامة، عن ذلك القائد العسكري الجنوبي الذي تعرض للطم وسحب بندقيته من قبل صبي من أبناء خولان، أثناء غزوة 28 أغسطس الماضي، وعن ذلك القائد الذي تلفظ ألفاظا بذيئة بحق بنات الجنوب (كل الجنوب) فتصدى له جندي صغير من أبناء أبين لكنه دفع حياته ثمناً لشجاعته، من قبل أولائك الذين لا يبحثون إلا عن أتباع وعبيد لا عن شركاء.

إنن أدعو أبناء الجنوب إلى التحرر من هذا الوهم والالتفات إلى الحقائق التي تكشف عن نفسها دونما حاجة إلى جهد العباقرة وذهنيات الأفذاذ فمذبحة مأرب وحدها تلخص من يحكمون البلد حقاً، ومدى حرصهم على أبين كجزء من الجنوب، وارواح ودماء ابنائها ومستقبل اجيالها، قد بينت هذه المذبحة على بشاعتها ومرارتها وما اختزنته من قبح وما اختزلته من مؤشرات أن محاولة إعادة احتلال الجنوب بمغفلين جنوبيين كما جرى في عام ١٩٩٤م لم تعد ممكنةً، فلا المحاولون ييمتلكون القدرات التي كانوا يمتلكونها في العام ١٩٩٤م ولا الجنوبيون مغفلون حتى يمكن أن يبيعوا الجنوب مقابل القاب وهمية ومسميات زائفة كما جرى آنئذٍ.

ختاما: لقد سعدت بزيارة بعض مناطق مديرية سنحان، بلدة الرئيس السابق وسررت بمستوى الخدمات فيها وباختفاء الفقر (تقريبا) من مناطقها، وبانخراط معظم أبنائها في القوات المسلحة وحصول المتعلمين منهم على المنح الجامعية والوظائف الحكومية، وبمستوى معيشة أغلب ابنائها، وتمنيت لو أن كل اليمن كانت هكذا، وللذين يتهمون أبين بأنها تحكم اليمن أن يعلموا أن مديرية رئيس الجمهورية بلا كهرباء وبلا مشروع مياه للشرب، وليس فيها مستشفى ومحرومة من أبسط متطلبات الحياة مثل كل محافظة أبين ومحافظات الجنوب، لكنها (أي محافظة أبين) تتفوق بتساقط مئات الضحايا من أبنائها كل يوم دفاعاً عن “الوحدة اليمنية” المعمدة بدماء الجنوبيين، وما نزال نتذكر المذابح التي تعرض لها أبناء مديرية المحفد في حادثة الصولبان وشرطة الشيخ عثمان وحوادث كثيرة مشابهة للجنود الذين ذهبوا لاستلام مرتباتهم فعادوا جثامين مسجاة.

تلك هي أبين المتهمة بحكم اليمن وهي لا تحكم حتى مديرياتها،. . . . المظلومة المحرومة إلا من الموت المجاني والفقر المدقع والحرمان من أبسط مقومات الحياة.

ترك الرد