العمراني وأسباب سقوط الجوف مقال لـ: د. عيدروس نصر

في منشوره المعنون بـ”عشرة أسباب لسقوط الحزم وما قبل الحزم” المتداول على أكثر من موقع ألكتروني يشير الزميل السفير والوزير والنائب البرلماني علي العمراني إلى مجموعة من الأسباب التي أدت إلى سقوط مديرية الحزم (عاصمة محافظة الجوف) بأيدي الحوثيين، ويضع في مقدمة هذه الأسباب ” حدوث انقلابين في عدن على الرئيس والحكومة، في سبتمبر 2018، وفِي أغسطس 2019. ومُنِع الرئيس،من قبل، من التواجد في عدن التي أعلنها عاصمة مؤقتة، بما في ذلك منع نزول طائرته في مطار عدن،”، وكسبب ثاني يشير إلى ” بروز نوايا وإجراءات وممارسات ممنهجة وتكوينات مدنية وعسكرية مدعومة، بهدف فرض تقسيم اليمن” ثم يواصل التعرض لبعض الأسباب التي لم يذكر من بينها حشد القوات القبلية والعسكرية باتجاه الجنوب وترك أبواب المواجهة مع الحوثيين مفتوحة لدخولها إلى مناطق “الشرعية” متى شاؤوا، ولا تولي عديمي الكفاءة والمخترقين والمتعاطفين مع الحوثيين قيادة العملية العسكرية للقوات “الشرعية”، ولا وجود طبقة من تجار الحروب أصبح بعض أفرادها مليارديرات بعد أن غادروا صنعاء لا يحملون إلا ما يغطي جلودهم وأقدامهم ومن مصلحتهم استمرار الحرب وعدم هزيمة الحوثي ومشروعه.

لن أتحدث عن المسؤولية الكاملة للجناح العسكري داخل الشرعية عن كل كوارث البلد شمالا وجنوبا، بعد أن غاب غاب عنه أبرز رجالاته الشرفاء أمثال اللواء محمود الصبيحي واللواء أحمد سيف واللواء عبد الرب الشدادي واللواء صالح الزنداني وغيرهم، فذلك متروك للعقلاء والشرفاء من الداعمين للشرعية (إن تبقى منهم أحد)، لكنني أذكر الزميل أن ما أسماه “انقلابين” في عدن لم يحصلا إلا في ذهنه المبرمج على نظرية المؤامرة وعقلية “الديك وحبة الذرة”، وأن المواجهة التي أشعلها بعض زملائه من “الشرعيين المراهقين” قد تسبب في ما يسميه “انقلابين” وأسقطت ضحايا واستولدت أفعالاً وردود أفعالٍ لم يكن يتمناها أحد، لكن الزميل لا يشير إلى تلك الأسباب إعمالا لمقولة “وعين الرضى . . . .” أما أكذوبة “منع طائرة الرئيس من الهبوط في عدن”  والتي غالبا يوجهها المتقولون باتجاه القوات الإماراتية الشقيقة حينما كانت موجودة هناك، فقد كشفت الأيام المنصرمة زيفها وبطلانها، إذ بعد انسحاب القوات الإماراتية من عدن ومن كل الجنوب ودخول القوات السعودية الشقيقة لتحل محلها، يحق لنا أن نتساءل: من الذي يمنع الرئيس وطائرته من الهبوط في مطار عدن بعد مضي أربعة أشهر على اتفاق الرياض الذي نص على عودة الرئيس خلال ستين يوماً لأداء حكومة الكفاءات اليمين أمامه هناك؟

ولماذا نذهب بعيدا؟ للخوض في هذه التفاصيل المعروفة للجميع؟

دعونا نطلب من الزميل النائب والوزير والسفير الدبلوماسي الذكي أن يفسر لنا ما علاقة أحداث يناير 2018م وأغسطس 2019 في عدن بسقوط الجوف بيد الحوثيين في مارس 2020م ؟ وكيف تؤثر الترتيبات “لتقسيم اليمن” على معركة إسقاط الجوف؟

أعرف أنه سيقول أن القوات التي يفترض أن تدافع عن الحزم ومأرب  قد تركت مواقعها للحوثيين لتتجه جنوباً، لكنكم أيها الزميل تقولون أن 25 مليون يمنيٍ يواجهون الحوثي ويرفضونه، فهل كل هؤلاء اتجهوا إلى شبوة وأبين لمواجهة “مشروع التقسيم؟” وهل عجز الجيش “الوطني”  عن أن يحرك لواءين أو ثلاثة من الألوية الرابضة في صحاري حضرموت والمهرة منذ 7/7/ 94م لتحمي نهم والحزم وصرواح وتهاجم الأقلية الحوثية التي سيطرت على أكثر من 80% من مساحة الشمال؟ لكن الأهم من كل هذا هو إن هذا التبرير يؤكد المقولة التي رددها كثيرون من أساطين الشرعية (الشماليين) وهي “إن المعركة مع الجنوب لها الأولوية على المعركة مع الحوثيين” وعندما يؤكد هذا الكلام سفير حالي ونائب برلماني دائم ووزير سابق فإن الأمر يغدو تصريحاً رسمياً باسم الحكومة وليس مجرد رأي لكويتب متدرب أو صحفي مغمور.

لقد أدمن الزميل متعدد الألقاب اتهام الجنوب والجنوبيين بكل شر يطرأ في هذا العالم، وأخشى أن يقول لقرائه أن الجنوبيين هم السبب في انتشار فيروس كورونا ونشوء ثقب الأوزون وذوبان جليد القطبين.

كل الفبركات والحجج والذرائع التي يوردها كتاب وموظفي ومسؤولي (الشرعية المخطوفة) ليست سوى ذرائع من تلك التي يتحجج بها التلميذ الكسول الذي سقط في الامتحان عندما يتهم أبويه وإخوانه ومدرسيه ومعدي الكتاب المدرسي وزملاءه بالوقوف وراء سقوطه، لكنه لا يعترف بعجزه وكسله وميله للعبث واللهو واللهث وراء الشهوات والغرائز.

ما تسميه يا صديقي نوايا التقسيم، وهي إشارة إلى الثورة الشعبية الجنوبية ومطالب الشعب الجنوبي باستعادة دولته بعد فشل وحدة 1990 واجتياح الجنوب وتدمير دولته عام 1994م ، كل هذا كان قد بدأ في العام 1994م قبل ظهور الحركة الحوثية بعقد من الزمن وتنامى وتبلور بعد العام 2007م، أي قبل سقوط الحزم بيد الحوثيين بإثنتي عشر سنة، وتعلم وأعلم أنك تعلم أن الجنوبيين وبسحقهم للمشروع الانقلابي في أقل من مائة يوم في العام 2015م، قد برهنوا أن إسقاط المشروع الإيراني في اليمن ممكناً وهيأوا الفرصة ليس فقط لعدم سقوط الحزم ومأرب، بل ولاستعادة صنعاء وذمار وعمران وكل الشمال لو أنكم كنتم جادين في إنهاء الانقلاب، لكنكم انشغلتم بتقاسم غنائم انتصار لم تصنعوه وحرب لم تخوضوها ولا ترغبون في خوضها، وحينما ترغبون في إطالة مداها تبحثون عن مذنبين وهميين سواكم لتبرير الهزائم التي يلحقها بكم الانقلابيون، بافتراض أنكم تحاربونهم فعلاً.

كنت أرغب في نصح صديقي الزميل النائب الوزير السفير علي العمراني بأن يزيل القذا الذي علق في عينيه منذ 1994م وأن ينظر للأمور بواقعية ليكتشف أن التعلق بالوهم لم يعد ممكناً وأن تمسك الشعب الجنوبي بحقه في استعادة دولته ليس مؤامرة من أحد على أحد ولا اعتداء على حق أحد، وهو أمر لم يعد قابل للمناقشة ببساطة لأن البديل يعني استمرار الحروب والنزاعات والقتل ونوافير الدماء والشعب الجنوبي لم يرغب ولا يرغب في خوض الحروب لكنكم أجبرتموه عليها منذ غزوتكم الأولى في العام 1994م وتصرون على إجباره عليها، كما أذكِّر صديقي وزميلي إن أسباب عدم تصدي الشعب الشمالي للحوثيين ليس لأنه يحبهم بل لأن البديل الآخر هو أسوأ من الحوثيين أنفسهم،  وعندما يخير الشعب بين خيارين سيئين فإنه يفضل السيء القائم عن السيء النازح الذي يتعطش للعودة لممارسة سيئاته، بيد إنني أعرف أن الزميل العمراني وأمثاله كثيرون من صناع قرار الشرعية (المختطفة) لا يرغبون في سماع النصيحة، لأ نهم متعلقون بالوهم السهل الجميل (بالنسبة لهم) الذي لا يستدعي جهدا ولا يكلف أعباءً ويفضلونه على الحقيقة المرة والصعبة التي تتطلب تضحيات وتقتضي تجرُّ المرارات، وتلك طبيعة النفس البشرية الأمَّارة بالبحث عن الملاذات الرخيصة الأقل كلفةً والنفور من الخيارات المتعبة باهظة الثمن.

يا صديقي العزيز!

من تقول عنهم دعاة التقسيم حالوا دون سقوط مناطق مثل قعطبة والفاخر والحشا وهي تقع تحت مرمى مدفعية الحوثي بعد أن سلمتموه جبال العود الاستراتيجية المطلة على كل هذه المناطق من أعلى، بل ودحروه من مناطق كانت بحوزته استلمها مجاناً من “القوات الشرعية”، ويتصدون له اليوم في أكثر من جبهة، بينما يتخلى الشرعيون (الذين ليسوا من دعاة التقسيم) عن المرتفعات التي كانت  بأيديهم ويهربون إلى المناطق الأسفل ليمنحوا الحوثي نقاط تفوق مجانية.

فانس الجنوب والجنوبيين، وانس التقسيم والانقساميين وانس الانفصال والانفصاليين وفتش في رؤس القادة العسكريين (الشرعيين) الذين يبيعون أسلحة التحالف العربي للحوثي ويهربون له الدعم الإيراني حتى يصل أمناً مؤمناً إلى أيدي قادته، وينسحبون من أهم المواقع ويسلمونها لعدوهم (المفترض) بحجة الانسحاب التكتيكي غير آبهين بألاف الأرواح وأنهار الدماء التي تسقط يوميا بسبب شعارات ترفعونها ولا تؤمنون بها، وتعلنونها ولا تبذلون جهداً من أجل تحقيقها.

ترك الرد