التباهي بالفشل مقال لـ : د. عيدروس نصر

ظاهرة التباهي بالفشل ليست حالة طارئة في التعامل مع قيادة الحياة السياسية والمجتمعية في اليمن، فهي ظاهرة متأصلة وممنهجة، ومتبعة كتكتيك رسمي للسلطات الحاكمة منذ السبعينات.

كنا نستغرب عندما يأتي وزير الداخلية أو من ينوبه إلى مجلس النواب ليجيب على أسئلة بعض الأعضاء عن أسباب عدم القبض على مجرمين أو محاكمة مطلوبين للعدالة، أو حماية المنشآت والسواح والدبلوماسيين من الخاطفين، حينما كان يجيب بأن هؤلاء المجرمين محميين بالقبائل ولا نستطيع القبض عليهم، وكنت شخصيا أعلق على هذه المبررات الغريبة بأنها نوعٌ من “التباهي بالفشل” وقد اتضح الأمر في كثير من الحالات أن هؤلاء المجرمين والخاطفين والمعتديين لم يكونوا سوى ضباطاً إما في الأمن السياسي والقومي أو المركزي، وإما في الحرس الجمهوري والقوات المسلحة، دعك من أنهم لا يرتدون البدلة العسكرية ولا يداومون في أي معسكر رسمي.

لو جاء هذا التصريح “الذي كرره وزراء الداخلية ومن ينوب عنهم” أكثر من مرة، لو جاء على لسان مسؤول حكومي في دولة محترمة (أو حتى نصف محترمة) لكان أقل إجراء يمكن اتخاذه معه هو الإقالة الفورية وإنهاء الخدمة، أما الإجراء القانوني فهو المساءلة والمحاكمة وإنزال العقوبة القانونية التي يستحقها موظف حكومي متخاذل عن أداء مهماته، لكن أصحابنا كانوا يشيعون الوزير بالقبلات والابتسامات المصحوبة ببعض الطلبات وأوراق العرضحالات، ويتحول أصحاب الأسئلة والاستجوابات إلى مشهد الازدراء والتشفي أمام المسؤول الحكومي وبقية الزملاء أعضاء المجلس.

وهل يمكن أن ينسى اليمنيون يوم سقطت محافظة أبين في ساعات بيد جماعة “أنصار الشريعة” في العام 2011م وكيف تبخرات الفيالق والألوية والمعسكرات (وقيل حينها أنهم جميعا قد تحولوا إلى أنصار شريعة)، مقابل صمت كل الدولة وتحجج أساطينها بالانشغال بمواجهة المسيرات الشعبية والعجز عن مواجهة أولائك الأنصار؟؟؟

المشهد اليوم يتكرر وبصيغة قد تختلف شكلاً لكنها تكرر نفس مضامين سابقاتها، حيث تنتشر الجريمة وتتفشى ظواهر القتل والبسط والسطو والاغتصاب وقطع الطرق والاختطاف، في عدن وفي كثير من محافظات الجنوب، وحينما تسأل عن المسؤول عن كل هذا يجيب أحد المعتوهين: الحكومة لا تستطيع محاربة الجريمة لأنها ممنوعة من دخول عدن؟

يقولونها بطمأنينة وثقة بالنفس وبأن هذا الرد سيخرس من يطلب منهم القيام بواجباتهم، ولا يعلمون أنهم يوجهون إهانة سافرة وجارحة للحكومة وللدولة (المفترضة) ولكل السلطة التي نص اتفاق الرياض (الموقع في 5 نوفمبر 2019م) على أن تعود بكامل أركانها في أقل من تسعين يوما أي قبل أكثر من شهر من كتابة هذا المنشور، لكنها لم تعد ولا ينوي المتحكمون فيها أن يسمحوا لها بالعودة.

لن أناقش الأفكار والأطروحات الخرقاء التي تتساءل ببلاهة: ماذا فعل لكم المجلس الانتقالي؟ لأن هذه الأطروحات وأصحابها لا يعملون سوى التستر على من يسيطر على الموارد ويستلم الإعانات والإغاثات، ويتحكم بمصادر الثروة ويوجه أجهزة السلطة ويعطيها الأوامر، وينبغي أن يستكمل بقية الوظائف التي تقوم بها أية سلطة حتى لو كانت في قرية أو بلدة أو قبيلة، لكنني أكرر ما قلته مراراً وما يقوله كل قادة المجلس الانتقالي الجنوبي بأن المجلس ليس سلطة حاكمة، ولا يزعم أنه سيتولى وظائف الدولة وقد وقع على اتفاق الرياض إقراراً منه بأن السلطة (الشرعية) هي المسؤول الأول والأخير عن أمن ومعيشة الناس في مناطق وجوده، وهي المسؤول الوحيد عن توفير الخدمات وحماية أرواح الناس ومحاربة الجريمة ومكافحة الإرهاب، وأن شراكته في تنفيذ اتفاق الرياض تقتصر على ما حدده الاتفاق في قضية تشكيل الحكومة الجديدة وتعيين قيادات المحافظات والأهم من هذا في مواجهة المد الحوثي الإيراني في اليمن، وهي الوظيفة التي يبدو أن الجميع قد تخلى عنها ما عد المجلس الانتقالي وقوات المقاومة الجنوبية.

أعود وأقول أن التباهي بانتشار الجريمة في عدن ومحافظات الجنوب، وهي المناطق التي يقول (الشرعيون) أنهم قد حرروها، هو وصمة عار في جبين هؤلاء الشرعيين من حيث اعتقادهم بأنهم بهذا يدينون الجنوب والجنوبيين وهو تكرار لسيناريوهات 2007 ـ 2012م، وقد أفلس أصحاب هذه السيناريوهات ولم يقدموا للبلد سوى الانهيار والتشظي والخراب، ولو إنهم تحملوا مسؤولياتهم بنصف كفاءة كادر محترم لجنبوا البلاد والعباد كل هذه الشرور التي اقترنت بفترة حكمهم وزمن قيادتهم.

نشر الجريمة وتشجيعها والسكوت عنها والتشفي بضحاياها سلوك لا يمكن أن يقوم به ساسة يعرفون معنى السياسة وأبجديات الاختلاف السياسي، ناهيك عن مقتضيات المسؤولية الوطنية، وأخلاقيات الإدارة، التي يفتقدونها ويبعدون عنها بسنوات ضوئية، بل هو سلوك العصابات والمجرمين المتخفيين في صورة سياسيين ومسؤولين مزيفين، وستنقشع العباءة المزيفة التي يتخفون وراءها كما انقشعت عمن سبقهم، وستنجلي الحقيقة لمن لا يزال يجهلها أو يتجاهلها.

ترك الرد