المكلا (المندب نيوز) متابعات

بعد أكثر من أسبوع على مقتل جورج فلويد صاحب البشرة السمراء اختناقا تحت ركبة شرطي أبيض أوقفه، تتواصل موجة الاحتجاجات التاريخية دون تراجع، حيث شهدت مدن أمريكية رئيسية لليوم الثامن مظاهرات في تحد لمناشدات رؤساء البلدية ولحظر التجول الصارم وتهديدات الرئيس دونالد ترامب بنشر الجيش لفرض النظام.

وفي ظل الانقسام الشديد الذي يعم الولايات المتحدة، بدأت الأحدث في أخذ منحى ديني، بعد أن انتقد أساقفة ترامب لاستخدامه الكنيسة والإنجيل لما قالوا إنها “لغايات حزبية”، وسياسيا أيضا دخلت الحملات الانتخابية للاقتراع الرئاسي على خط الأزمة مع إصدار تصريحات من المرشحين تحمل تنديدا وهجوما على السلطات.

وخرجت مسيرات حاشدة في لوس أنجلوس وفيلادلفيا وأتلانتا ونيويورك وكذلك في العاصمة واشنطن قرب المتنزه الذي أُجلي المتظاهرون عنه قبل يوم لإفساح الطريق أمام ترامب حتى يسير من البيت الأبيض إلى كنيسة قريبة لالتقاط صورة.

وعلى الرغم من أن مسيرات التضامن مع الأمريكي القتيل جورج فلويد تكون سلمية في الأغلب خلال النهار فإن بعض الحشود ترتكب أعمال شغب وتخريب وإحراق ونهب في كل ليلة.

وحطم محتجون واجهات المتاجر ونهبوا المتاجر الفاخرة في شارع فيفث أفينو بمدينة نيويورك وأضرموا النار في مركز للتسوق في لوس أنجلوس.

وأعلنت السلطات أن أربعة من أفراد الشرطة تعرضوا لإطلاق النار في سانت لويس بولاية ميزوري وأصيب شرطي بجراح خطيرة في لاس فيجاس.

ففي واشنطن، تظاهر الآلاف وبينهم السيناتور الديمقراطية إليزابيث وارن حتى وقت متأخر من المساء متحدين حظر التجول الذي أعلنته البلدية، فيما أقيمت سواتر معدنية حول البيت الأبيض لمنع أي مواجهة مباشرة مع قوات الأمن في محيطه.

وجثا متظاهرون على الركبة خارج مبنى الكونجرس مرددين هتاف “الصمت هو العنف” و”لا عدالة، لا سلام” فيما تصدى لهم أفراد الشرطة قبل بدء حظر التجول الذي فرضته الحكومة.

وظل الحشد في متنزه لافاييت وغيره بعد حلول الليل رغم حظر التجول وتعهدات ترامب بالتصدي لمن وصفهم بأنهم “قطاع طرق” و”بلطجية” باستخدام الحرس الوطني بل وقوات الجيش عند الضرورة.

وبعد أن بدأ حظر التجول في مدينة نيويورك، سار آلاف المحتجين من مركز باركليز باتجاه جسر بروكلين فيما حلقت طائرات الهليكوبتر التابعة للشرطة فوقهم.

وتعرض العديد من المتاجر الفاخرة على الجادة الخامسة الشهيرة للنهب، وتم تقديم ساعة بداية حظر التجول الليلي إلى الساعة 20,00 وتمديده حتى الأحد.

غير أن ذلك لم يمنع مئات المتظاهرين من أصحاب البشرة السمراء والبيض على السواء من الاحتجاج سلميا هاتفين “جورج فلويد، جورج فلويد” و”حياة السود تهم” (بلاك لايفز ماتر)، وهي العبارة التي باتت شعارا للاحتجاج على عنف الشرطة تجاه الأمريكيين من أصول أفريقية.

وملأ مئات المحتجين شارع هوليوود بمدينة لوس أنجلوس، وتجمع آخرون أمام مقر إدارة الشرطة وكانوا في بعض الحالات يعانقون ويصافحون صفا من الضباط في الخارج.

وفي مدينة لوس أنجلوس، ركع رئيس البلدية إريك جارسيتي مع شرطيين على ركبة واحدة، في الوضعية التي ترمز منذ 2016 إلى التنديد بعنف الشرطة ضد الأمريكيين الأفارقة، وتذكر بالشرطي الذي قتل فلويد ضاغطا بركبته على عنقه لحوالي تسع دقائق.

وكانت لوس أنجلوس مسرحا لأعمال شغب عنيفة في ربيع عام 1992 بعد تبرئة ساحة أربعة ضباط متهمين بضرب السائق صاحب البشرة السمراء رودني كينج.

وتظاهر ما لا يقل عن ستين ألف شخص الثلاثاء تكريما لذكرى جورج فلويد في تجمع سلمي في هيوستن، المدينة التي نشأ فيها في ولاية تكساس وحيث سيوارى الثرى الأسبوع المقبل.

من جانبه، قال رئيس بلدية المدينة سيلفستر تيرنر “نريد أن يعرفوا أن جورج لم يمت سدى”.

أما في مينيابوليس، مركز حركة الغضب حيث قتل فلويد، فكان الهدوء مخيما.

رسائل طمأنة

ووسط هذه الأحداث، كتب ترامب على “تويتر” أن العاصمة الأمريكية حيث تم توقيف أكثر من 300 متظاهر “كانت المكان الأكثر أمانا في العالم الليل الماضي”، ماضيا في الخط الذي اعتمده منذ بداية الأزمة إذ يطرح نفسه كرئيس “النظام والقانون”.

وكرم ترامب شرطيا سابقا قتل في موقع كان تجري فيه أعمال نهب في سانت لويس بولاية ميزوري.

وسبق أن دعا الرئيس الأمريكي حكام الولايات إلى “السيطرة على الشارع”، مهددا في حال لم يأخذوا بتعليماته بنشر الجيش “لتسوية المشكلة بسرعة بدلا عنهم”.

واحتجت رئيسة بلدية واشنطن موريال باوزر على إرسال عسكريين “إلى الشوارع الأمريكية ضد الأمريكيين”، وهو موقف عبر عنه أيضا العديد من الحكام الديمقراطيين.

وفي مواجهة الاحتجاجات الجارية في ظل تفشي وباء كورونا الذي زاد من حدة التباين الاجتماعي والعرقي، بقي ترامب حتى الآن صامتا حيال المشكلات التي يشكو منها المتظاهرون.

ولم يذكر سوى بشكل عابر “ثورة” الأمريكيين على ظروف مقتل فلويد.

منحى ديني

واتخذت الأزمة في الولايات المتحدة منحى جديدا، ووجه زعماء للبروتستانت والكاثوليك في الولايات المتحدة انتقادات لاذعة لترامب بعد يوم من إجلاء محتجين سلميين بالقوة من أجل التقاط صورة له أمام كنيسة قريبة من البيت الأبيض رافعا الكتاب المقدس “الإنجيل”.

وكان ترامب حصل على دعم قوي من الكاثوليك والبروتستانت البيض بانتخابات 2016، ويسعى مرة أخرى للحصول على تأييدهم بالانتخابات الرئاسية المقررة في نوفمبر الثاني.

واستخدم أفراد من الشرطة يمتطون الجياد وجنود مسلحون الغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي مساء الاثنين لإبعاد المحتجين قبل أن يسير ترامب من البيت الأبيض عبر ساحة لافاييت إلى الكنيسة التي لحقت بها أضرار بسبب النيران في غمرة الاحتجاجات مساء الأحد.

كبير الأساقفة ويلتون جريجوري، وهو أكبر زعيم ديني كاثوليكي في العاصمة الأمريكية، قال في بيان إن البابا الراحل يوحنا بولس الثاني، بابا الكنيسة الكاثوليكية لما يقرب من 40 عاما، ما كان “ليتغاضى عن استخدام الغاز المسيل للدموع وغيره

من وسائل الردع لإسكات (المحتجين) أو تفريقهم أو ترويعهم من أجل صورة أمام مكان للعبادة والسلام”.

وقال الأسقف مايكل كوري رئيس المجلس التنفيذي للكنيسة الأسقفية البروتستانتية، إن الرئيس الأمريكي يستخدم دور العبادة والإنجيل لـ”غايات حزبية”، على حد قوله.

واصطف مئات المحتجين الذين يرددون الهتافات في الشارع قرب النصب المقام للبابا حاملين لافتات مكتوب عليها و”ترامب يهزأ بالمسيح” و”كنيستنا ليست مكانا لالتقاط الصور”.

سياسيا، اتهم جو بايدن المرشح الديمقراطي للانتخابات الرئاسية ترامب بأنه “حول هذا البلد إلى ساحة معركة تملؤها أحقاد قديمة ومخاوف جديدة”.

وصرح الرئيس الأسبق جورج بوش الابن “حان الوقت لأن تنظر أمريكا مليّاً في إخفاقاتنا المأساوية”.

تعاطف أمريكيين

وأظهر استطلاع للرأي أجرته رويترز/إبسوس أن معظم الأمريكيين يتعاطفون مع الاحتجاجات.

وأجري الاستطلاع يومي الاثنين والثلاثاء وتوصل إلى أن 64 بالمئة من الأمريكيين البالغين “يتعاطفون مع من يخرجون للتظاهر في الوقت الحالي”، فيما قالت نسبة 27 بالمئة منهم إنها لا تشعر بالتعاطف مع المحتجين وقال تسعة بالمئة إنهم غير متأكدين.

وقال أكثر من 55 بالمئة من الأمريكيين إنهم لا يوافقون على طريقة تعامل ترامب مع الاحتجاجات بما في ذلك 40 بالمئة قالوا إنهم يرفضون ذلك “بشدة”.

ويواجه ترامب عصيانا مدنيا هو الأخطر في ولايته مع احتجاج آلاف الأمريكيين على العنف الذي تمارسه الشرطة والعنصرية والتفاوت الاجتماعي تضاف إليها أزمة انتشار فيروس كورونا.

وفُرض حظر التجول في عشرات المدن الأمريكية وبمستويات لم تشهدها البلاد منذ أعمال الشغب التي أعقبت اغتيال مارتن لوثر كينج عام 1968، وانتشر الحرس الوطني في 23 ولاية والعاصمة واشنطن.

ولفظ فلويد أنفاسه بعد أن بقي شرطي أبيض جاثما بركبته على رقبته لما يقرب من تسع دقائق يوم 25 مايو في مدينة مينيابوليس ليشعل ذلك من جديد قضية وحشية الشرطة ضد الأمريكيين من أصل أفريقي قبل خمسة أشهر من انتخابات الرئاسة.

ووجهت لضابط الشرطة الذي جثم بركبته على رقبة فلويد تهمة القتل من الدرجة الثالثة وتهمة القتل غير العمد من الدرجة الثانية. وأقيل ثلاثة ضباط آخرون متورطون لكن لم توجه لهم اتهامات.

ترك الرد