المكلا (المندب نيوز) العرب

تثبت المراسلات المتداولة في البريد الإلكتروني لوزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون، والتي تم رفع السرية عنها بأمر من الرئيس دونالد ترامب، في كثير من التفاصيل كيف أن الولايات المتحدة مارست ضغوطا على الرئيس علي عبدالله صالح بهدف دفعه للتخلي عن السلطة.

كما أظهرت “إيميلات هيلاري” حجم التناغم بين منظمي الاحتجاجات وبين مساعدي كلينتون، الذين لم يظهروا أي تعاطف مع صالح حتى بعد محاولة اغتياله في الثالث من يونيو 2011 في مسجد دار الرئاسة بصنعاء ونقله للسعودية لتلقي العلاج، الأمر الذي اعتبره مركز أبحاث مقرب من الخارجية الأميركية فرصة سانحة لقطع الطريق على عودته لليمن.

ورغم إخفاء القسم الأكبر من المعلومات الواردة في الرسائل، التي جاءت تحت عنوان “اليمن”، وهو ما يعني أنها تضمنت معلومات شديدة الحساسية مازالت تخضع للسرية، لكن اللافت في المراسلات المكشوف عنها أنها تظهر طبيعة العلاقة بين الإدارة الأميركية والناشطة اليمنية توكل كرمان، التي وصفت في لقاء مع صحافي أميركي، هيلاري كلينتون بأنها قدوتها.

والأكثر من ذلك هو اهتمام كلينتون بأخبار وقضايا النساء في اليمن، حتى أنها تلقت تقريرا خاصا من مراسل نيوزويك، الذي رافقها في إحدى رحلاتها للشرق الأوسط حدثها فيه عن انطباعاته عن أوضاع المرأة التي وصفها بشديدة القسوة، كما لم يخل التقرير من إيحاءات سياسية تربط بين نظام الرئيس السابق وبين الانتهاكات ذات الطابع الاجتماعي التي تتعرض لها نساء اليمن.

اهتمام متزايد

في مارس 2011 وحين كانت احتجاجات اليمن في بداياتها ظهرت عدة رسائل في البريد الإلكتروني لهيلاري كلينتون تتحدث عن مشاورات تدور في كواليس السياسة اليمنية حول تخلي صالح عن السلطة والشروع في مرحلة انتقالية في البلاد.

وجرى تبادل الرسائل بين موظفي السفارة الأميركية في صنعاء ونائب مدير مكتب وزيرة الخارجية جيك سوليفان حول التطورات في المواقف من آلية نقل السلطة وموقف صالح والمقربين منه والمعارضة الممثلة في أحزاب اللقاء المشترك من جهة أخرى.

ومن أبرز المواقف رد السفير الأميركي بصنعاء في ذلك الوقت جيرالد فايرستاين على استفسار من سوليفان حول معلومات وزير الخارجية اليمني آنذاك أبوبكر القربي عن طبيعة المشاورات، حيث قال “للأسف، لا أعتقد أن القربي على دراية بالمناقشات الجارية، فمثلا، كانت الحكومة، وليست أحزاب اللقاء المشترك، هي التي تقدمت بفكرة تنحي صالح على الفور”.

وأضاف “مع ذلك، اقترح عبدالكريم الأرياني اليوم أيضا أن مغادرة صالح على الفور ستكون مزعزعة للاستقرار واقترح أنه يجب أن تكون هناك فترة انتقالية من 3 إلى 5 أشهر، ومن المفترض أن هذا كان انعكاسا للنقاش داخل المؤتمر الشعبي العام على مدار اليومين الماضيين”.

وفي رسالته لسوليفان، الذي بدوره أعاد توجيهها لكلينتون للاطلاع عليها، أبدى فايرستاين موقفا متشددا تجاه ما طرحه الأرياني قائلا “نحن بحاجة إلى خطوات ملموسة من قبل صالح لنقل السلطة، سواء بحكم الأمر الواقع أو بحكم القانون”. وأضاف “تناولنا طعام الغداء مع مجموعة متنوعة من ممثلي المعارضة اليوم: طلاب، رجال أعمال، سياسيون، شيوخ عشائر وكان الشعور بأن لدينا أياما، وليس أكثر، لحل هذه المشكلة قبل أن يتدهور الوضع بشكل كبير”.

ويشير السفير الأميركي إلى لقاءات جرت في صنعاء خلال تلك الفترة بين صالح وعلي محسن الأحمر وعدد من قادة أحزاب المعارضة في منزل نائب الرئيس آنذاك عبدربه منصور هادي، دارت حول تخلّ سلس لصالح عن السلطة، وهو الأمر الذي تعثر بعد ذلك نتيجة رفض مقربين من صالح للخطة.

وقال السفير الأميركي، الذي عرف عنه التصلب في المواقف من صالح، في رسالته إنه “مازال هناك يومان، لحسم موضوع تخلي صالح عن السلطة قبل الجمعة”، حيث توقع في رسالته أن يشهد مواجهة دامية بعد أداء الصلاة.

وفي رسالة أخرى في ذات اليوم بتاريخ 26 مارس 2011 يورد فايرستاين تفاصيل مكالمة أجراها مع القربي، بعد عودته من رحلة إلى السعودية. ونقل فايرستاين عن القربي قوله إن “المشكلة الحقيقية تكمن في إصرار أحزاب اللقاء المشترك على مغادرة صالح على الفور ما من شأنه أن يزعزع الاستقرار”.

وأشار القربي إلى أن صالح على استعداد لترك السلطة ولكن وفق خطوات محددة ومتفق عليها من بينها انتخاب الجمعية التأسيسية (البرلمان) وصياغة الدستور. وتكشف الرسالة عن حرص أبداه السفير الأميركي لمعرفة موقف الرياض وما خلص إليه وزير الخارجية اليمني حينها، من رحلته تلك.

فرصة سانحة

تحت عنوان “أفضل فرصة لإنقاذ اليمن” وفي رسالة موجهة لكلينتون بتاريخ 10 يونيو 2011 وبعد أقل من أسبوع فقط على تعرض صالح لمحاولة اغتيال عبر تفجير مسجد دار الرئاسة بصنعاء، الذي نقل على إثره للسعودية لتلقي العلاج، رد سوليفان بالإيجاب على ملخص تقرير صادر عن أحد المراكز البحثية المقربة من الخارجية الأميركية، يقترح انتهاز واشنطن نقل صالح للرياض، باعتبارها “فرصة سانحة وغير متوقعة للولايات المتحدة وحلفائها لإنهاء القتال العنيف والمتعدد”.

ودعا التقرير الإدارة الأميركية لتجاوز “مجرد الدعوات الموجهة إلى صالح للتخلي عن السلطة ووضع حزمة من الإجراءات العقابية والحوافز لاستخدام النفوذ الضئيل الذي تمتلكه لمحاولة تجنب المزيد من العنف وتحسين الظروف في اليمن بعد رحيل صالح”.

وأضاف التقرير أنه “يجب أن تتضمن هذه الحزمة، حث جميع الأطراف على الالتزام بوقف إطلاق النار أثناء خروج صالح من البلاد والضغط على السعودية لتأجيل أو منعه من العودة إلى اليمن”.

كما تضمنت الرسالة برنامجا زمنيا يشتمل على إجراءات عقابية بحق صالح وأسرته، والتي حدثت في وقت لاحق عبر قرار مجلس الأمن في نوفمبر 2014، حيث شملت المقترحات إبعاد عائلة صالح من الأجهزة الأمنية وفرض عقوبات مالية وحظر السفر.

وتظهر سلسلة من الرسائل المتبادلة بين مكتب هيلاري كلينتون وطاقم السفارة الأميركية في صنعاء الدور المتناغم والمنسق الذي لعبته الإدارة الأميركية للضغط على الرئيس علي عبدالله صالح.

وفي رسالة من السفارة الأميركية بصنعاء إلى سوليفان نائب مدير مكتب وزيرة الخارجية الأميركية، في 18 يناير 2012، تظهر حجم الإشادة بتصريحات هيلاري كلينتون التصعيدية ضد الرئيس الراحل صالح وتعتبر أنها جاءت في الوقت المناسب لدعم إجراء الانتخابات الرئاسية التي حدثت بالفعل في 25 فبراير 2012.

وتم بموجب ذلك الاستحقاق انتخاب عبدربه منصور هادي رئيسا لليمن خلفا لعلي عبدالله صالح، الذي غادر إلى الولايات المتحدة لتلقي العلاج وللبقاء خارج دارة التأثير على المشهد السياسي حينها.

وقالت مينتا ماديلي مسؤولة المعلومات في السفارة الأميركية بصنعاء في نص رسالتها “يرجى إخبار وزيرة الخارجية بأن تعليقاتها على اليمن كانت مهمة وجاءت في حينها للغاية. وقد كان تسجيلها بالأمس مع هذا البيان بمثابة مساعدة كبيرة في التصدي لسلسلة الملاحظات المتعلقة بتأخير الانتخابات”.

وأشارت مينتا إلى أنه سيتم توظيف تصريحات كلينتون، التي عبرت فيها عن أسفها من الرئيس صالح لأنه بحسب زعمها “فشل حتى الآن في الامتثال لالتزاماته الخاصة بمغادرة البلاد والسماح بمرور الانتخابات”.

رسائل لافتة

من الرسائل المثيرة للدهشة والاستغراب التي تضمنها بريد هيلاري كلينتون رسالة مؤرخة بتاريخ 26 أكتوبر 2011 من مساعدها سوليفان، تضمنت خبرا لإحراق نساء يمنيات لحجاباتهن وذلك تعبيرا عن الاحتجاج على صالح، وهي طريقة اجتماعية قبلية يمنية استخدمتها المعارضة في العام 2011 للضغط على الرئيس الراحل.

ومن الأمور اللافتة التي تضمنها البريد الإلكتروني إشارة أحد مساعديها إلى فقرة في مقال للصحافي الأميركي دكستر فيلكين نشره في “ذا نيوركر” في الرابع من أبريل 2011 تضمن انطباعاته عن اللقاء الذي جمعه بكرمان، والتي زارها في ساحة الاحتجاجات أمام جامعة صنعاء.

وكتب فيلكين عن كرمان مقالا طويلا تحت عنوان “بعد الانتفاضة”، قال فيه “زرت منزل كرمان وسط صنعاء وعلى رف غرفة الجلوس، كانت هناك صور مؤطرة لأربعة أشخاص، هم المهاتما غاندي ومارتن لوثر كينغ ونيلسون مانديلا وهيلاري كلينتون”.

وكانت كرمان قد التقت بهيلاري كلينتون في يناير، قبل بدء الانتفاضة مباشرة، وبدأت منظمتها “صحافيات بلا قيود” تحصل على تمويلات من الحكومة الأميركية.

وخلال لقائها بفيلكين قالت الناشطة اليمنية وهي تنظر إلى صورة هيلاري كلينتون إن “الاجتماع مع كلينتون رتبته السفارة الأميركية.. لا أريد أن أكون وزيرة للخارجية، لكنها قدوتي”. وهي العبارة التي اقتبسها مساعدو هيلاري في إحدى رسائلهم لها تحت عنوان “شيء يجعلك فخورا”.

 

ترك الرد