المكلا (المندب نيوز) خاص – مريم المعاري

من أحد أرياف مديرية ساه الواقعة في الجزء الأوسط لمحافظة حضرموت يحكي لناء “مبارك صالح” البالغ من العمر 48 عامًا، التفاصيل النفسية القاسية والمؤلمة التي عاشتها عائلته منذ أن أبلغته زوجته “عائشة” ذات 37 ربيعًا، أنها تحمل بين أحشائها طفلاً.

بداية المأساة

لم يدرك الزوجين حينها أن هناك جائحة صحية كبير ضربت العالم بأسره وغيّرت من موازين حياة الناس الاعتيادية بطرق مختلفة، تسمى (كوفيد 19) وذلك كونهم بدو رحل بعيدين عن مركز المدينة، ويمتهنون وأحدة من أبرز مهن البدو الشاقة وهي تربية رعاية الأغنام، ويعتمدون عليها كمصدر رئيسي للدخل.

يقول رب الأسرة حينما زفت لي زوجتي عائشة بشرى حملها بالطفل الخامس غمرتي الفرحة وحمدت الله عز وجل على نعمة الخلفة التي حرم منها الكثير من البشر.

يتابع الزوج: بدأ الأمر عاديًا لي ولم أعيره أي اهتمام لكل تلك المشاعر المتناقضة والمضطربة بداخلي فأنا رجل مؤمن بدوي صلب لدي القدرة على تجاوز الكثير من عوائق الحياة، لكني مغيب تماماً عن العاصفة الصحية بسبب جائحة كورونا (كوفيد 19) التي أغلقت بسببها كافة المؤسسات الحكومية والخاصة بل امتد إلى أغلاق دور العبادة والمطاعم والاسوق، فنحن بدو رحل نجوب بقطعاننا يوميا وديان وشعاب ساه الطويلة، بأدواتنا البدائية التقليدية بعيدا عن منصات التواصل الاجتماعي، ووسائل الإعلام المختلفة.

يقول الزوج مبارك كل هذه الاحداث الصحية والشلل التام الذي ضرب العالم لا يعني لي أي شيء فانا بدوي منعزل بقطعاني في مجتمع ذو طبيعة متباعدة لا يعرف من صخب الحياة وضجيجها سوى أصوات أغنامة عندما تجوع أو تتعرض للخطر، هذ المفارقات التي نعيشها لم تشفع لنا من تجاوز القيود التي فرضت على العالم بسبب فيروس كورونا.

وفي صباح يوم الجمعة بداية شهر مارس من العام 2020م، وبينما كنت مستلقي على فراشي أستعد للخلود إلى النوم همست زوجتي في أذني اليسرى: مبارك، يبدو أن هناك عارض صحي بسبب الحمل يتطلب زيارة الطبيب، ومنها نطمئن على حال الجنين، قاطعتها بنظراتي الحادة فوجدت في عيناها تعبيراً بأن هناك أمر بالغ الأهمية، علمًا يقول “مبارك” أن زوجتي كسائر نساء البدو الرحل لا يحرصن على زيارة الأطباء بشكل دوري أثناء الحمل، بل يكتفين فقط بإتباع الارشادات المتوارثة من الأمهات حتى يلدن، وتلك تعد ثقافة صحية متوارثة بالنسبة لهن.

وافقت يقول “مبارك” على أن اصطحب زوجتي إلى المستشفى لتلقي الرعاية الصحية وللاطمئنان على حالة الطفل القادم، نهضت ساعتها وفتحت صندوق صغير داخل خيمتي المتواضعة واخذت منه بعض النقود الورقية تحسبا لأي طاري قد يحدث أثناء زيارتي العلاجية، واستجمعت كل قواي ونهضت كالعادة أتفقد قطيع الأغنام الذي نملكه قبل مغادرتنا الخيمة بتجاه المستشفى.

نادى مبارك جاره سعيد؛ كي يقلهم بسيارته العتيقة إلى المستشفى المركزي بالمديرية، الذي يبعد حوالي 20 كم، عن قريتهم الريفية المتواضعة والتي تشبه إلى حد كبير مخيمات نازحين الحروب وبيوت المهمشين المنتشرة في أطراف المدن اليمنية، وذلك لان سكانها يتخذون من الخيام والعروش بيوتاً لهم تقييهم من أشعة الشمس الحارة في الصيف وبرودة الأجواء في الشتاء.

وبعد رحلة قصيرة يقول مبارك وصلت برفقة زوجتي إلى المستشفى، ترجلت من غمرة السيارة تجاه بابها الخلفي كي أعين زوجتي عائشة على النزول، لكن بداء المشهد غير مألوف في ساحة المستشفى بعد أن باتت خاوية تمامًا من الناس والسيارات، فاجئني ما شاهدته ورفع من منسوب الفضول داخلي، لا أدري ما الذي يحصل لكن ذلك دفعني بأن أذهب مسرعاً صوب قسم الطواري لعلي أجد من يجيب عن تساؤلاتي.

يتابع مبارك حديثه قائلاً: دخلت قسم الطواري مثقل بالفضول وبزوجتي المسكينة التي تبحث عن رعاية صحية، وإذ بي أسمع صوتا لأحدهم ينادي من داخل احدى غرف القسم التي مرينا من جانبها، يا أخ.. يا أخ، التفت اليه، طلب مني بأن أقترب منه بحذر في الوقت ذاته كان يحمل في يده اليمنى قارورة بلاستكية تشبه إلى حد كبير علبة منظف الزجاج، مرتدياً في يديه قفزات وعلى أنفه وفمه كمامة طبية، وهو الامر الذي لم نكن نألفه عند الطاقم الطبي داخل المستشفى.

التزمت الصمت يقول مبارك، وانا مترنح أمامه لا أدرى ما يجري بالضبط، طلب مني قبل تلقي أي خدمة طبية بأن أعقم يداي أنا وزوجتي موجهاً لنا بعض الارشادات والنصائح التوعوية الطبية عن ما وصفه هو وقتها بالفيروس القاتل، لم ندرك حينها انا وزوجتي خطورة الموقف ولم نستوعب أن العالم بأكمله أصبح رهينة لهذه الجائحة.

بعد كل هذه الاحداث يقول مبارك فوجئت أنا وزوجتي، بعدم وجود أي من الأخصائيين في طب التوليد يمارس مهامه، والأسباب تعود إلى فوبيا الإصابة بفيروس كورونا وانتقال العدوى إلى الطواقم الطبية، وفق رواية طاقم التمريض المرابط بقسم الطواري، وأكد مبارك أن زوجته عائشة لم تعود بخفي حنين حظيت ببعض الرعاية الصحية والنصائح الطبية، أهمها كان ضرورة مراجعة دكتور نساء وولادة، حتى لا تتعرض صحة عائشة إلى مضاعفات سلبية قد تفقدها جنينها أو حتى حياتها لو قدر الله.

عاد مبارك وزوجته الحامل إلى القرية وبدأ كل منهما يمارس حياته الطبيعية الاعتيادية دون مراعاة لأي من النصائح الطبية التي تلقيانها خلال زيارتهم الأخيرة إلى المستشفى، بل تجاهلا تماما تحذير موظف قسم الطواري بمتابعة الحالة وتخصيها عند مختص بأمراض النساء والولادة.

مرت الأيام والأشهر سريعاً وعناية الله يقول مبارك هي التي كانت تجنب زوجتي عن كل المخاطر طيلة فترة حملها، ونحن منشغلين برعاية قطيع الأغنام، والاهتمام بباقي أولادنا، غير مكترثين إلى أن بلغ حمل زوجتي 20 أسبوعاً.

يقول مبارك في ليلة جاءت زوجتي تخبرني بأن هناك أعراض غريبة بدأت تظهر عليها منذ أيام، مثل الصداع المتواصل وتورم مفاجئ في الوجه واليدين إضافة إلى صعوبة في التنفس، نظرت اليها مبتسماً محاولاً أن أزيح الخوف الذي بداخلها، لكنها كانت شاحبة الوجه متعبة، لا تقوى حتى على مبادلتي الابتسامة.

تسلل إلى داخلي الخوف وظهرت علي علامات الارتباك وفقدان السيطرة، هرولت مسرعاً وأحضرت الجار سعيد مع سيارته لينقل زوجتي إلى المستشفى، وعلى الفور وبدون أي ترتيبات مسبقة أخذت زوجتي إلى المستشفى لتتلقي العلاج والرعاية الصحة المناسبة، وهنا كانت الصدمة لم نجد سوى بعض من ملائكة الرحمة يتنقلون بين غرف المرضى لمساعدتهم وتقديم الرعاية الصحية لهم، وما ان جاء دوري أخبروني أن حالة زوجتي الصحية خطيره جداً، ولابد ان يتم نقلها إلى مستشفى يتواجد فيه دكتور مختص، ساعتها فقط يقول مبارك أدركت خطورة الموقف ورحت أبحث عن أي شيء يمكنه أن يخفف ولو جزء بسيط من معاناة زوجتي المسكينة، لم أتخيل أن أقف متفرجاً دون فعل شيء.

بدأ الوضع في التعقيد وزادت مخاوف مبارك أكثر بعد أن عرف أن زوجته تحمل الاعراض ذاتها لـ “تسمم الحمل” الذي قضى على حياة الكثير من النساء في هذا العالم خصوصا وأن الزوجة كانت تعاني من ارتفاع في ضغط الدم مع تغيرات في الرؤية، هذه الامر الذي زاد من مخاوف “مبارك وزوجته “عائشة”.

في هذه الحال يقول مبارك لم يعد أمامي سوى خيار واحد وهو نقلها إلى مدينة سيئون لتلقي العلاج اللازم هناك، في المدينة التي تبعد عن قريتي بحوالي 70 كم، والتي بها الكثير من العيادات والمرافق الصحية الخاصة بأمراض النساء والولادة على مدار السنة، وفي هذه الأثناء كانت حالة عائشة قد تراجعت كثيراً وبدأت تسوء أكثر وأكثر، لم يقف الزوج متفرجاً أخذ الزوج على الفور زوجته إلى تلك المدينة لعله يجد وضع مختلفا عن ما وجده في مستشفى ساه الريفي، وفي الوقت ذاته كانت المخاوف هي سيدة الموقف بسبب جائحة فيروس كورونا الذي فرض قيود جديد على حياة الناس بشكل غير متوقع.

وبعد أن قطعنا حوالي 30 كم يقول مبارك التفت إلى زوجتي المتعبة وإذ بأنفاسها بدأت تتقطع وتتباعد وغابت تماماً عن الوعي، لا أعرف ما الذي أفعله ولا حتى كيف أتصرف في هذا الموقف الكبير، انها زوجتي وأم أولادي وشريكة حياتي التي رافقتني بكل ما هو جميل في هذه الدنيا، وضعت راسها على ذراعي وأنا اصرخ بصوت عالي بوجه جارنا الطيب سعيد الذي أخذنا بسيارته، بسرعة.. بسرعة.. عائشة تموت، عائشة تموت، وقبيل وصولهم بربع ساعة إلى مستشفى سيئون العام، فارقت زوجتي الحياة.

وبهذه التفاصيل المحزنة انتهت حياة عائشة، وتنتظر غيرها لربما نفس المصير، لكن الكثير يتساءل عن من المسؤول الذي تسبب في وفاة عائشة، هل هي جائحة كورونا، أم أن هناك جهات حكومية هي من تسببت في الوفاة.

مصدر مسؤول

مدير مكتب الصحة بالمديرية سليمان باغوزة، يوضح لنا كيف تسببت كورونا في أرباك عمل الطواقم الطبية، وكشف عن أبرز الأسباب والعوائق التي تواجه الطاقم التمريضي والطبي في المديرية.

أوضح باغوزة إدارة الصحة تعاملت بمسؤولية كبيرة مع هذه الجائحة العالمية من خلال اللقاءات والتواصل مع الجهات ذات الاختصاص، والتزمت بكل الإجراءات الاحترازية المفروضة من مكتب وزارة الصحة اليمنية، وتابع قائلاً: عملنا على تحشيد الملتقيات التطوعية والشبابية لتوعية المجتمع.

وأشار باغوزة إلى أن الجائحة تسببت في تأخير وسائل الصحة الإنجابية وأوقفت كافة الحملات التوعوية للنساء الحوامل، مشيراً إلى ان المرافق الصحية قد اغلت وتم تقليل العمل فيها وذلك لعدة أسباب، أهما امتناع بعض الأطباء عن مواصلة العمل تخوفا من الإصابة، وتأخير أدوات السلامة اللازمة للعاملين الصحين، مما تسبب في تراجع الخدمات الصحية بالمديرية.

مؤكدًا إلى أن هذه الجائحة عجز عن مواجهتا دول كبرى، ولا مقارنة في أن تستطيع دولة مثل اليمن أن تواجهها خاصة في هذه الظروف.

 إحصائيات

تؤكد فهمية الفتيح مسؤولة الإعلام والتواصل بصندوق الأمم المتحدة للسكان أن ما يقارب 1.218حالة خلال شهر مارس ونوفمبر في العام 2020م، أصيبت “بتسمم الحمل” وذلك وفقاً لإحصائيات بعض من المرافق الصحية المنشرة في عموم أنحاء الجمهورية.

وأوضحت الفتيح أن هناك ما يقارب ستة ملايين من النساء والفتيات تتراوح أعمرهن ما بين (15 – 49) سنة بحاجة إلى الرعاية الصحية.

وأشارت الفتيح إلى تعرض أكثر من مليون امرأة حامل سنوياً معرضات لسوء التغذية، وإنجاب أطفال يعانون من التقزيم، مضيفة إلى أن أكثر من مائة وأربع عشر ألف أمرأه يصبن سنويا بمضاعفات أثناء الولادة.

وقالت الفتيح أن اليمن يشهد ارتفاع كبير في نسبة الوفيات عن الأمهات الحوامل، وذلك بمعدل حالة وفاة كل ساعتين أي ما يقارب نحو أثناء عشر امرأة في اليوم الواحد.

تم إنتاج هذه المادة كإحدى مخرجات برنامج ” الكتابة الصحفية الجيدة لقضايا العنف القائم على النوع الاجتماعي في ظل جائحة كوفيد19″ الذي ينفذه مركز الدراسات والاعلام الاقتصادي بدعم من صندوق الأمم المتحدة للسكان UNFPA.

ترك الرد