دمشق (المندب نيوز) 
BBC

سوريا من الفضاء

ثلاث مدن بين النور والظلام

 
 

كيف تبدو آثار الحرب على المدن السورية من الفضاء؟

من المفارقات الصارخة في سوريا أن الكهرباء وهي غير مرئية يبدو أثر اضمحلالها واضحا للعيان.
هذه صور من وكالة ناسا للفضاء تظهر ثلاث مدن في سوريا أثناء الليل وعبر فترة الصراع الممتدة لست سنواتتظهر كل صورة أضواء مدينة في ليلة واحدة من كل شهر لمدة عام كامل، ابتداءً من 2012 بعد مرور عام على بدء الحرب في سوريا.
تظهر الصور تضائل المساحات التي تتوفر فيها كهرباء مما يمكن السوريين من إضاءة الأنوار ليلا ومن تشغيل المعدات الطبية التي تتوقف عليها حياة المرضى.
استخدم ما يعرف بتنظيم “الدولة الإسلامية” محطات الكهرباء كمقرات له وحولها إلى نقاط عسكرية استراتيجية.
كلما تنقطع الكهرباء في البلاد يحل البؤس والظلام و أحيانا الموت على المدنيين.

كانت حلب مركز سوريا الإقتصادي. عندما كانت الكهرباء متوفرة في كل أرجائها ويسكنها أربعة ملايين شخص.
لكن قلب الصناعة السورية تحول إلى ساحة معركة كبرى لأكثر من أربع سنوات. في أثناء ذلك، أجبر الناس على ابتكار حلول لمواجهة انقطاع التيار الكهربائي المتكرر. فيروز وزوجها وليد يصنعان الشموع من زيوت الطهي.

ويصف وليد الأوضاع التي عاشها في سورية:”العيش مع القليل من الكهرباء كان صعبا جدا، قمنا بتكسير بعض الأشياء داخل المنزل لإحراقها. لم نستطع وضع أي شيء في الثلاجة، كنا نشتري الطعام ونأكله على الفور. كنا نعيش اليوم بيومه.”
لاتزال أقرب المحطات الكهربائية للمدينة تعاني من دمار كبير بعدما سيطر عليها مسلحو ما يعرف بتنظيم “الدولة الإسلامية” في عام 2014 قبل أن تستردها القوات الحكومية في 2016.

 
 
 
 

محطة الطاقة الحرارية في حلب: 18 يوليو/تموز 2011 و20 فبراير/شباط2017- صور بالقمر الصناعي: DigitalGlobe

عمل ابراهيم الحاج مع قوات الدفاع المدني السورية في شرق حلب التي سيطرت عليها المعارضة حتى استعادتها الحكومة السورية في كانون الاول / ديسمبر من 2016. حيث كان نقص الكهرباء مسألة حياة أو موت.

وقال “كانت الفترة الأخيرة في حلب مأساوية، صعبة جدا. ولم تكن هناك كهرباء على الإطلاق. وكان من الصعب جدا تشغيل المولدات، لأن الوقود كان ينفد. كان علينا أن نرشد الاستهلاك.”و أضاف: “في الكثير من المرات لم نكن نملك الأدوات للّازمة لإنقاذ الناس من تحت الانقاض”.
كما اعتمدت مستشفيات حلب على المولدات الكهربائية لإنقاذ الأرواح.

في أبريل / نيسان 2016، أستهدف مستشفى القدس في حلب بضربات جوية. وقالت منظمة “أطباء بلا حدود” التي دعمت المستشفى، إن “الإنقطاع المتكرر للكهرباء” أجبر الطواقم الصحية على الاعتماد على مولدات باهظة الثمن. “فبالنسبة للمستشفيات، مثل القدس، هناك حاجة إلى كميات كبيرة من الوقود للمولدات الكهربائية لإبقائها قيد التشغيل. وبدون الكهرباء والوقود، لا يستطيع الطاقم الطبي إجراء عمليات جراحية أو تشغيل الحاضنات الكهربائية للأطفال أو معدات إنقاذ الأرواح.”

على الرغم من أن القوات الحكومية تسيطرعلى معظم مناطق دمشق إلا أن جميع السكان يعانون من انقطاع الكهرباء لفترات طويلة. بالنسبة للمناطق التي تسيطر عليها المعارضة فالكهرباء مفقودة نهائيا.

سكان بلدة دوما المحاصرة التابعة للمعارضة ، خلال الليل أثناء نقص الكهرباء، في 19 يناير \/ كانون الثاني 2015. AFP\/GETTY IMAGES: ABD DOUMANY 

سكان بلدة دوما المحاصرة التابعة للمعارضة ، خلال الليل أثناء نقص الكهرباء، في 19 يناير / كانون الثاني 2015. AFP/GETTY IMAGES: ABD DOUMANY 

ما مدى حجم الضرر الذي لحق بشبكة الكهرباء في سوريا؟

 
منذ بدء الحرب، فقدت سوريا ما قيمته 5 مليارات دولار من البنية التحتية في قطاع الكهرباء وذلك حسب تقديرات وزارة الكهرباء السورية.

ثلثا الكهرباء في سوريا تولد بإستخدام الغاز الطبيعي وقد وصل استهلاك الغاز في محطات الكهرباء إلى 21 مليون متر مكعب يوميا في 2011 وهو ما يكفي لتعبئة 8400 مسبح أولمبي. لكنها الآن انخفضت إلى ٦ ملايين متر مكعب مما يكفي لتعبئة 2400مسبح أولمبي.

كانت سوريا من البلدان الرئيسية المصدرة للطاقة في شرق البحر الأبيض المتوسط. لديها 15 محطة توليد كهرباء، بما في ذلك ثلاثة سدود كهرومائية رئيسية. وتغذي كل واحدة من تلك المحطات عددا من المحطات الفرعية التي توزع بدورها الطاقة الكهربائية على أنحاء البلاد عبر الشبكة الوطنية.

تعرضت المحطات الفرعية للكهرباء لأضرار جسيمة. هذه محطة كهرباء فرعية في شمال شرق القابون التي تسيطر عليها المعارضة. الصورتان تظهران المحطة في عامي 2011 و2017.

 
 
 
 

محطة كهرباء فرعية في القابون الواقعة تحت سيطرة المعارضة – 4 أبريل/نيسان 2012 و18 أبريل/نيسان 2017– المصدر: DigitalGlobe

ازدهرت تجارة المولدات والبطاريات والمصابيح الموفرة للطاقة. فيما باتت ضوضاء المولدات التي تعمل بالديزل سمة لمدينة دمشق.

وفي ضاحية الغوطة الشرقية التي تسيطر عليها المعارضة و التي تحاصرها القوات الحكومية، تكيف السكان على العيش دون كهرباء منذ منتصف عام 2013.

يعتمد السكان في الغوطة الشرقية على الألواح الشمسية والمولدات الكهربائية. تكلفة كيلوواط واحد من الكهرباء 1000 ليرة سورية – أو ما يعادل دولارين، ولكن أسعار السوق السوداءقد تبلغ ثلاثة أمثال ذلك. تستهلك معظم المنازل ما لا يزيد عن نصف كيلووات في اليوم. وهذا أقل بـ13 مرة من متوسط استهلاك المنزل الواحد في المملكة المتحدة.

وقال أنس أبو أيمن، الناشط الإعلامي في بلدة كفر بطنا، في الغوطة الشرقية: “تذهب عائلتي إلى النوم عندما يطفأ المولد في الساعة العاشرة مساء”.

“بالطبع، العيش في الظلام مخيف جدا، وخصوصا تحت القصف، عندما يبدأ النساء والأطفال بالبكاء”.

سيطر ما يعرف بتنظيم “الدولة الإسلامية” على الرقة في أواخر عام 2013. وبدأت غارات التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة على المدينة في عام 2014. تظهر الصور أن المساحات المضاءة من المدينة كانت الأقل خلال الأشهر التي تلت انطلاق الغارات.

تقول الحكومة السورية إن موظفيها في الرقة يعملون على إصلاح وصيانة محطات الكهرباء في المدينة الخاضعة لتنظيم “الدولة الإسلامية”.

يسيطر التنظيم حاليا على أكبر سدود سوريا، سد الطبقة، الواقع على بعد 40 كم من مدينة الرقة.ووفقا للبنتاغون فقد استخدم التنظيم السد مقرا للتخطيط لهجمات خارج سوريا.

ويقول ما يعرف بتنظيم “الدولة الاسلامية إن السد أصبح مهددا بالانهيار بعد الضربات الجوية من التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة “، وهو أيضا ما تقوله الحكومة السورية. لكن التحالف وكذلك “قوات سوريا الديموقراطية” التابعة لأكراد سوريا ينفون ذلك.

في الوقت الحاضر، يعد السد محور العملية العسكرية التي تقوم بها قوات “سوريا الديمقراطية”، ومن المتوقع أن يكون موقعا استراتيجيا رئيسيا في الفترة التي تسبق الهجوم على الرقة، عاصمة تنظيم داعش بحكم الأمر الواقع في سوريا.

 
 
 
 

سد الطبقة – 40 كيلومترا غرب الرقة –16 اكتوبر/تشرين الأول2011 و 23 مارس/آذار 2017– المصدر: DigitalGlobe

كيف أستخدمت الطاقة كورقة ضغط في الصراع السوري؟

استخدمت الكهرباء، مثل بقية السلع الأساسية الأخرى، كورقة ضغط من قبل القوى المتحاربة في سوريا. يعيش السكان في جميع أنحاء سوريا بدون كهرباء أو في ظل القليل منها وهذا يؤثر على أساسيات أخرى كالماء.

ففي العام الماضي، قالت لجنة الصليب الأحمر الدولية إن المدنيين في مدينة حلب يعانون كثيرا بسبب التقليص المتعمد لإمدادات المياه والكهرباء، التي يستخدمها الطرفين المتحاربين للضغط على الآخر.

وتقول الحكومة السورية إن الأضرار التي لحقت بسبعة حقول غاز رئيسية في البلاد خلال الصراع يدفعها إلى شراء وتوزيع الوقود بأسعار أعلى، مما يؤدي إلى النقص والتقنين .

وتقول الحكومة ان التقنين يعتمد على “الظروف الامنية”. و ألقت باللوم على هجمات المسلحين على خطوط انابيب الغاز ومحطات توليد الكهرباء وابراج نقل الكهرباء.

لكن المعارضة تقول إن تفجير النظام لمحطات توليد الكهرباء والتخفيضات المتعمدة للمناطق التى تسيطر عليها المعارضة هى سبب انقطاع التيار الكهربائي. ففي شمال محافظة ادلب، التي تسيطر عليها قوات المعارضة، قال السكان لهيئة الاذاعة البريطانية (بي بي سي) انهم يعانون من تقطع التيار الكهربائي للشبكة الوطنية منذ عام 2012 لم يكن لديهم اي كهرباء نظامية منذ2012 . وقبل توقفها كان يتم ترشيدها. وباعتقادهم أن هذه هي الطريقة التي تعاقب بها الحكومة المعارضة في الاراضي الخارجة عن سيطرتها.

يقول مطيع جلال من بلدة سرمين، محافظة إدلب: ” ندفع 6000 ليرة سورية (حوالي 11 دولارا) لتوليد من ساعتين إلى ثلاث ساعات من الكهرباء. وهذا لا يكفي لشحن كل شيء. عليك أن تقرر ما إذا كنت تريد الطعام في الثلاجة، أو شحن هاتفك، أو مشاهدة الأخبار على شاشة التلفزيون.”

وأعرب عن اعتقاده بأن النظام يستخدم قيودا على إمدادات الكهرباء للضغط على المناطق التي تسيطر عليها المعارضة.
ويضيف مطيع :” يستخدم النظام الكهرباء كوسيلة لجعل الحياة في مناطق المعارضة صعبة إنها مجرد واحدة من العديد من الطرق، مثل خفض إمدادات الديزل والإنترنت”.

وعلى الرغم من الصعوبات التي يتعرض لها جلال كالعيش بالقليل من الكهرباء، فإنه لن ينتقل إلى منطقة خاضعة لسيطرة القوات الحكومية، حيث تتوفر المزيد من الكهرباء.

 

ترك الرد