تريم (المندب نيوز) كتب : وليد التميمي

 

قد يقول البعض إن إطلاق السؤال، في هذا التوقيت بالذات، يبدو مستفزاً وغير منطقي وتحمل أحرفه دلالات سياسية موجهة ربما يراد من خلالها حرف القضية عن مسارها الطبيعي،

لكن مهلاً عن أي قضية نتحدث؟

هل فتح تحقيق في الحادثة؟

هل أعلنت السلطات المحلية في وادي حضرموت عزمها على ملاحقة الجناة واقعياً وليس إعلامياً كالمعتاد؟

هل ابدت استعدادها للضغط على قوات الجيش في المنطقة العسكرية للترتيب لحملة للقضاء على أوكار الإرهاب التي تنطلق منها هذه العمليات لتعود إلى مخدعها سالمة؟

أم أنهم في انتظار ظهور المحقق كونان أو الاستعانة بخبرات جيمس بوند للكشف عن المستور وتحديد القتلة بالأسماء والأوصاف الدقيقة؟ أحيانا نجد أنفسنا نطلق سؤالاً عفوياً عندما يداهمنا خطب جلل، ولكن سرعان ما يحلينا هذا السؤال إلى عالم لا متناهٍ من علامات الاستفهام وفضاء تتشكل سحبه من إشارات التعجب، ولكن عندما نضبط انفعالاتنا، ونستعيد توازننا النفسي، ولو في حدة الأدنى، تمتد يد الماضي القريب لتلوي أعناقنا وتوجه أنظارنا لوقائع متسلسلة في تريم، طمرت تفاصيلها بكثبان النسيان لدى البعض، فجأة تقفز أمامنا صور للشهيدين رامي البر، وعلي بامعبد، لا يبدوان في الكادر وحدهما، القتلة أيضاً يظهرون بحلتهم الدموية، أصابعهم على الزناد أو تضبط عقارب ساعة متفجرة، المجرم الأول كان جندياً في قوات الجيش وجه رصاصاته المباشرة إلى قلب رامي، قتله بدم بارد، وعاد إلى ثكنته يحتفل بإخماد روح قيادي شاب في الحراك لطالما شكل حضوره الطاغي في تريم وقوداً للثورة الجنوبية، وبدأت شخصيته الفولاذية تزرع بذور الصداع والقلق في أوساط الحزب الذي افتى علماؤه بإباحة دمنا.

 

كعادتنا اكتفينا بتشييع كبير لرامي إلى مثواه الأخير، وإعداد أفلام وثائقية عن حياته الحافلة بالعطاء، بعدها شغلتنا الأيام بدوامتها رغم التحذيرات بأن اغتيال رامي في تريم قد يكون الأول ولن يكون الأخير، ما الذي فعلناه حينها؟ لست أدري، كأننا صرنا من أصحاب الكهف وغطَطْنا في نوم طويل لم نصحُ منه إلا على صراخ سيطرة عناصر تنظيم القاعدة على المكلا، وفصل الساحل عن الوادي عملياتياً، لكننا لم نراجع الدرس جيداً، لم نتفق حتى على أن المكلا سلمت ولم تسقط، بعدما أن تم تجريف ذاكرتها الأمنية وتفريغها من أذرعتها الاستخباراتية الجنوبية، بعمليات اغتيالات طالت حتى كوادر أحيلوا إلى التقاعد منذ مدة طويلة، وعلى نار هادئة كانت نواة النخبة تتشكل وعندما حانت ساعة الصفر كان الرهان على سرعة التحرير وليس انجازه فقط، باتت مقاليد الحكم في الساحل بيد قادة معركة التحرير ورجالاتها، وانتقلت “الجرثومة” إلى بيئتها الحاضنة في الوادي، حيث تمثل الشخصيات الاجتماعية ورجالات الدين الثقل الوازن في تحديد مصير حضرموت الرافض لتقسميها أو تمزيقها طالما ظلت متمسكة برغبة الخروج عن طاعة صنعاء وترتيب وضعها تحت سقف البيت الجنوبي مستقبلاً، كان لا بد من رسالة ترهيب استباقية لكل حضرموت، فاختيرت تريم مسرحاً للتنفيذ، والضحية التالية علي بامعبد، الرجل الذي تلتف حوله كافة شرائح المجتمع، مشروع نموذج للقيادي المخضرم، تم إجهاضه، بعملية مفخخة، القاتل قد يبدو مجهولاً، لكن جيناته الوراثية تحمل أنسجة الجندي الذي نفذ أول عملية إعدام لشاب حراكي في تريم، اعدنا نفس مشهد التشييع، وأفرعنا شحنات من الغضب بأقلامنا وألستنا ووعيدنا بلا طائل، نسينا أن الفارق أصبح كبيراً ما بين جريمة مقتل البُر واغتيال بامعبد، اليوم نحن نمتلك نواة جيش حقيقي، في الساحل، وطفيليات في الوادي، تدعي بأنها تحرسه، من أبنائه وليس من أعدائه؟ وعندما أخذت تريم تنطق بصوت واحد مع انتشار النخبة في كامل تراب حضرموت، جاء الرد بتصعيد دموي يمس رمزاً من رموزها الدينية. كانت الرسالة واضحة أن لا أحد مستثنى من القتل في حضرموت، لا شاب ولا رجل أمن ولا قيادي عسكري أو شخصية اجتماعية أو حتى عالم دين لا يمارس السياسة، وإذا كان استيلاء القاعدة على ساحل حضرموت اكتمل من بوابة السيطرة على المكلا، التي أنهكت بوجبات الاغتيالات والمفخخات وعمليات السطو والسرقة، فما المانع بأن يكون تسليم الوادي للقاعدة من خلال توسيع بنك أهدافه في تريم وما جاورها؟ قد يبدو هذا الطرح من نسج الخيال أو المبالغة غير مقبولة، لكن إذا لم يتم فرض انتشار النخبة في حضرموت الوادي، فلنتوقع دائماً الأسوأ.

اترك تعليق