استطلاع خاص: قضايا العنف تتصدر محاكم حضرموت، والعادات تكبح الحقوق، مروى أنموذجاً!

في كل عامٍ يحتفل العالم باليوم الدولي للقضاء على العنف ضد المرأة، بعدما أكرمها الإسلام وأعطاها حقها، فحبيب الأمة النبي المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم، دائماً ما يقول “رفقاً بالقوارير”، فبين حينٍ وأخرى نسمع هُنا وهناك جرائم صادمة تُمارس ضد المرأة، إذ تحصرها العادات والتقاليد وتحرمها أوضاع المعيشة من حقوقها.

عربياً ينتشر العنف ضد المرأة في ربع الأسر في بعض الدول، والذي يشمل استخدام العنف من قبل أحد أفراد الأسرة تجاه أخر، وبما لا يشمل العنف ضد الأطفال بحجة التأديب أو العقاب.

ففي بلادنا لايقل شأناً عن الدول، إذ عصفت الأحداث بطبيعة أهل البلد وتغير نمط الحياة في بعض المجتمعات على الصعيدين شمالاً وجنوباً، واختلفت الكثير من سلوكياته فالتغيرات التي طرأت عليه تكاد تكون خطيرة جداً ومؤشرات تنبأ بذلك، فالحروب التي شهدتها البلاد عكست سلبياً على حياة الأفراد، ما بين صعوبة الحياة للبحث عن لقمة العيش الكريمة وشحة الامكانيات الضرورية لتستمر بها البشرية ناهيك عن كثرة إنتشار الممنوعات فضلاً عن جائحة كورونا، كل هذه باتت تأخذ منحنى أخر يهدد حياة البشر.

سلوكيات دخيلة بدأت تنتشر شيئاً فشيئا وأصبحت تعصف كرياح شديدة بعثرت سكينة هذا البلد، ففي الآونة الأخيرة شهدت على سبيل المثال الساحة الحضرمية العديد من قضايا العنف المتعلقة بالمرأة من قتل وذبح وحرق وتحرش والعديد منها، إذ أخترنا حضرموت نتيجة الحادثة الأخيرة التي لاقت رواجاً وتفاعلاً كبيراً من قبل المواطنين وهي قضية الشهيدة “مروى البيتي” التي أحرقها زوجها عمداً، فمثل هذه الحوادث الجنونية تنافِ عادات وتقاليد الحضارم المسالمين، بينما المؤشرات ارتفعت بين الفينة والأخرى، ففي السنوات الأخيرة انقلبت الموازين النمطية المعتاد عليه المجتمع والذي يصنف المرأة في زاوية واحدة فقط كـ ربة منزل، في حين أصبحت المرأة شريكة الرجل في كل أمور الحياة فسطرت  لنفسها مكانة في العمل وممارسة الحياة اليومية فنشاهدها حاضرة اليوم كالعاملة والمسؤولة والمديرة والمعلمة والمحامية وغيرها، ليس الا انتهاك لحقوقها وسلبها حرية التعبير عن رأيها وممارسة العنف ضدها بدأ يكثر بشكل غير متوقع، من هو المسؤول عن ذلك؟ وهل هناك معنفات متكتمات عن العنف؟ صحيفة “المندب نيوز” سلطت الضوء على قضايا المرأة في المجتمع الحضرمي كنموذج من خلال هذا الاستطلاع الذي أجرته مع عدد من الشخصيات الحضرمية، لتتضح لنا الرؤية عما يحدث وعن الواقع الذي وصل إليه بعض أفراد المجتمع.

المكلا (المندب نيوز) خاص – استطلاع: مريم المعاري

قانونياً:

ثمود بن بريك

تقول القاضية ثمود بن بريك لـ “المندب نيوز” أن هناك الكثير من القضايا المتعلقة بالمرأة والتي تلجأ المرأة فيها إلى المحاكم لأخذ حقها وانصافها في عدة جوانب منها المدني والجنائي ومن أبرز القضايا في الجانب المدني قضايا الأحوال الشخصية منها الطلاق والفسخ والنفقة والحضانة وكل الأمور المتعلقة بقانون الأحوال الشخصية

وكذلك القضايا الجنائية مثل قضايا الاغتصاب والتحرش وظهور ظاهرة جديدة وهو استخدام المرأة في قضايا تهريب الممنوعات وغيرها من القضايا، بنسبة كبيرة جداً في محافظة حضرموت نتيجة للخلافات الزوجية المتكررة بين الزوج والزوجة مما يستحال استمرار العلاقة الزوجية.

وتابعت بن بريك قائلةً أما بالنسبة للقضايا الجنائية نحن في المحكمة نصنف كل قضية عنف تعتبر قضية جنائية جسيمة أو غير جسماني تدخل في القانون الجنائي، وهناك قضايا تتعرض لها المرأة من إيذاء جسماني يؤدي للإعاقة والبعض منها إلى الموت أو قتل بشكل متعمد، وهذه القضايا تعرضت لها المرأة في الفترة الأخيرة بشكل لابأس فيه، بدورنا في المحكمة يقوم القاضي بدراسة ملف القضية، وإذا برز بإن المعتدي هو الزوج أو غيره تقوم المحكمة بإنصافها وأخذ حقها وسجن المعتدي وإعطائها أرش بموجب القانون حسب الضرر التي تعرضت له من هذا الاعتداء، اما إذا كان التهمة على المتعدي هي الموت متعمداً فهناك قانون واضح وصارم وهو الإعدام.

وأكدت كذلك الحرب أثرت بشكل كبير جداً في عملنا في المحاكم، وهي سرعة متابعة القضايا وأيضاً تراكمها، فعند دخول القاعدة في عام 2015م أدى إلى عرقلة العمل، حيث تم إغلاق المحاكم لمدة عام كامل فبسبب إقفال المحاكم تم حفظ القضايا الموجودة في ملفات المحاكم وبعد عودتها تم استئناف العمل وكانت قضايا موجودة بشكل كبير، وتم إنجاز كثير منها، ولكن لازالت الحرب والظروف القاهرة لها دور في سرعة تنفيذ القضايا الموجودة، وكذلك يجب على منظمات المجتمع المدني أن تقوم بدورها في جانب رفع الوعي المجتمعي للحد من العنف ضد المرأة، وأن تكون هناك بحوث ودراسات اجتماعية وتخصصية في عدة مجالات تخص المرأة حتى تستفيد منها المراة نفسها في جميع جوانب حياتها وحماية حقوقها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وكل الحقوق وعلى المرأة ان تكون في حالة وعي لحقوقها لكي تطلب به عندما تجد هناك من يحرمها من حقها، ونتمنى أن يحل الأمن والاستقرار والسلام على بلادنا.

 مجتمع مدني:

علياء الحامدي

تقول عليا الحامدي مديرة الدائرة القانونية في اتحاد نساء اليمن فرع ساحل حضرموت لصحيفة “المندب نيوز”، أن هناك قضايا متنوعة متعلقة بالمرأة، ولكن أبرزها العنف الاقتصادي مثل عدم النفقة على النساء وعلى الأطفال عدم النفقة، والمؤشرات مرتفعة في هذا الجانب وحرمانها من الميراث يعتبر عنف قائم على المرأة، بل هناك أشكال أخرى من العنف ظهرت خلال هذه السنوات نتيجة المتغيرات التي حدث في المجتمع بسبب الحرب وانتشار المخدرات  وايضاً ظهرت أشكال لم نكن نعرفها مثل الاعتداءات على المحارم والقتل وكذلك بدأت المرأة تبوح بأنواع أخرى من العنف الذي كانت تتكتم عنها مثل العنف الجنسي كالاغتصاب بالإضافة إلى العنف الجسدي والتحرش سواء كانت النساء محارمهم أو غير محارمهم.

وتواصل قائلة بدأت في حضرموت تظهر حالات العنف الأسري التي تأتي من داخل الأسرة والتي لم نكن نتوقعها مثل الاعتداءات من داخل الأسرة على بنت العم أو الأخت أو غيرها فهذه الحالات تكون صعبة جداً حتى في طريقة متابعة القضية لأنها تسبب في تفكيك الأسرة كلها وتخل بالأخلاق والعادات والتقاليد المتعارف عليها في حضرموت خصوصاً أن مجتمعنا عكس بقية المجتمعات، ففي البيت الواحد تتكون أكثر من أسرة وهنا لا يعني أنني أتحدث عن الكل بل هناك فئة نادرة جداً، وكذلك حالات العنف على التحرش والاغتصاب وللأسف في حضرموت لا يوجد هناك طبيب شرعي، فهذا ما نفتقده ولابد من وجوده ففي حالات تأتي الينا تحتاج إلى طبيب شرعي ولكن بدورنا نقوم بإحالتها إلى عدن مع محرمها.

وواصلت قائلةً نحن في اتحاد النساء بالمكلا نستقبل أي امرأة تأتي إلينا فأبواب الاتحاد مفتوحة لأي امرأة وعملنا ليس مقتصراً فقط على استقبال المرأة والاستماع إلى مشاكلها، بل دورونا أكبر وخدمات الاتحاد كبيرة جداً وأبرزها الترافع في المحاكم ومتابعتها من قبل المحاميين، وكثير من القضايا التي تجي لنا من قبل منظمات المجتمع المدني ويتم احالتها للاتحاد، كما نقوم بحملات التوعية والإرشاد والبرامج في الدعم النفسي بالإضافة إلى التوعية في السجل المدني وتقديم الارشادات الأسرية من قبل مختصات والتوعية بالممارسات الخاطئة للأطفال مثل ختن الإناث وغيرها وكذلك نقدم المنح الصغيرة للنساء المعنفات وفقاً لمعايير محددة وهدفنا الأساسي أيضاً في التحقق من القضايا التي تأتي الينا من قبل المرأة.

 وفي نفس السياق تقول الحامدي أن هناك صعوبات تواجهنا في هذه القضايا سواء من قبل أطراف القضية أو من قبل متابعة القضية في المحكمة، بالإضافة إلى جائحة كورونا لها دور في تأخر القضايا في المحاكم، ولكن في الفترة الأخيرة شاهدنا أن الأخ أو الأب هم الذين يدعمون المرأة في رفع قضية أبنتهم حتى في القضايا الحساسة خصوصاً عندما تكون هي المعتدى عليها أو الضحية او هي المعنفة، أيضا أحياننا تتنازل المرأة عن حقها عندما نصل إلى المحاكم ربما تتعرض في بعض الأحيان إلى ضغط مما يجبرها على التنازل، كذلك جهل المرأة في قانون الأحوال المدنية وعدم الاحتفاظ بنسخة منها فعندما تأتي الينا نطلب صورة من العقد أو شهادات اطفالها غيرها لا نجد معها فلابد ثقافة المرأة بأهمية هذه الملفات أضافة إلى عدم السرعة في البث في قضايا الأحوال الشخصية مثل النفقة وهي من الأمور المستعجلة.

 وخلال شهر مارس تم افتتاح دار الرعاية لتدريب وتأهيل المرأة (دار الإيواء ) والتي يقدم الحماية والإيواء للنساء والفتيات المعنفات حيث يقدم الدار خدمات الحماية والدعم النفسي والاجتماعي والقانوني بالإضافة غلى التدريب والتأهيل وهو يستقبل النساء والفتيات سواء من حضرموت أو أي محافظة أخرى، والمعيار هو إنها امرأة معنفة و حياتها معرضة للخطر ونحن نستقبل من عدة جهات منها الأمن والنيابة ومنظمات المجتمع المدني والمنظمات الدولية المحلية  واللجان المجتمعية أو إحالة ذاتية تم تأتي المرأة المعنفة بنفسها، أتمنى أن يتوقف العنف ضد المرأة والأطفال ايضاً ويجب أن نتمسك بالقيم الاسلامية.

بالنسبة للإحصائيات من خلال سنة 2018م إلى سنة 2019م وصلت قضايا العنف إلى 64 حالة عنف أسري بينما في العام المنصرم2020م حيث وصلت القضايا إلى 102 حالة عنف.

مجتمعياً:

مدينة عدلان

تقول الناشطة مدينة عدلان لصحيفة “المندب نيوز” أن الأسباب في ظهور حالات العنف ضد المرأة يرتكز بالبداية على ضعف إلمام المرأة بحقوقها وواجباتها وهذا يعتبر سبب رئيسي  من أسباب ظهور العنف، بالإضافة إلى الزواج المبكر وعدم السماح للبنت باستكمال تعليمها وغرس لديها أن الزواج ستر وليس شراكة عادلة في بناء أسرة ومنها بناء المجتمع، ولذلك فإن جزء من هذا يتحمله الأهل والمجتمع الذي طوال 30 عام يغرس مفاهيم خاطئة لدى المرأة حول مشاركتها في جميع مناحي الحياة، فعندما تطفو مشكلة على السطح لا تعني أن هذه الوحيدة بل هذه ظهرت لان تحتها مشاكل كثيرة متخفية من حالات عنف في الآونة الأخيرة هي نتاج تراكمات لقضايا عنف أخرى لم تفضح عنها والعنف لا نحجمه بعنف الأزواج ولكن هناك عنف في التعامل في إعطاء الفرص للمرأة ومعاملة أرباب العمل معها وأيضاً العنف السياسي، وهنا نحن لا نشجع على الخروج عن السلوك الأخلاقي ولكن المرأة هي شريك طبيعي للرجل وليست تكملة عدد او تابعة له حتى فيما يهين كرامتها كإنسانة.

وتواصل حديتها قائلة أن قضايا العنف الذي نسمعها كثيرة منها أن بعض أرباب العمل لا يقبلون المرأة المتزوجة في العمل، لأنها ستأخذ اجازات والبعض يشغلها إلى بعد أوقات الدوام المحدد لها الساعة 8 مستغلين حاجتها، وهناك عنف في قضايا نشاهدها النفقة وعدم التزام الزوج بها بما يرضي الله وحسب القانون، والكثير من العنف يمارس داخل الاسر الاقل وعي والذي جاءت من مجتمعات أخرى، ولكن هناك توجد حالات عنف في داخل المجتمع الحضرمي للأسف الذي كان يعد من الاف السنين من المجتمعات الأكثر احتراما للمرأة وهذا بفعل الثقافة التي تم تعبئتها لجيل اليوم من الشباب والفروقات المتواجدة بين الأب والابن لأهل بيته الأول حسب تربيته يتعامل مع المرأة داخل البيت والثاني يبرز رجولته بأعمال لا تصنف بإنها أعمالنا للرجولة بصلة وهذا اكتسبه من المجتمع المحيط وهو أصبح المؤثر الحقيقي.

نحن في المكلا ليس بحاجة لمؤسسات حقوقية ولكن بحاجة لتصحيح عمل المؤسسات التي تعنى بقضايا المرأة ما وصل المجتمع له الان هو نتاج عمل غير منظم لتلك المؤسسات ولم يترك الاثر لتصحيح مفاهيم تقي من ذلك العنف، حيث أن الكل بات يشتغل على الجانب التعليمي ولدينا تسرب للفتاة، واشتغل على زواج القُصر وانتشر زواج القاصرات، فالكل طالب بالعمل ولا تعطى المرأة فرصتها حسب كفاءتها إلا بشق النفس والوساطات، وكثير من الدورات في التنمية للشباب ونلاحظ أن الشباب من 30 عام أصبح هو اكثر  من يعنف المرأة حتى بالسب والشتم والتشهير على صفحات التواصل، إذاً لابد من تصحيح تلك المؤسسات المتواجدة فهو كافي بأن ان يحد من تلك الظواهر، فقضية مروى البيتي رحمها الله هي إحدى القضايا التي لاقت ضغط مجتمعي واعتقد أن الكثير مثلها لم يبرز على السطح وهذه القضية بل الجريمة حركت في داخلنا الكثير من مشاعر الاستغراب، بل صعقت المجتمع ليشعر بأن هناك خطر يتواجد ليهدد الاسرة وهي اللبنة الاساسية لبناء مجتمع سليم.

وتؤكد الناشطة عدلان أن مجتمعنا الحضرمي من زمان يحترم المرأة ولن تظهر تلك العادات والتقاليد إلا في الآونة الأخيرة، فيجب أن نبحث في عادات وتقاليد المرأة في الأرياف فهم أصل العمق التاريخي للتعامل مع المرأة، المرأة تعمل في الزراعة والرعي وتستقبل الضيف ولها كلمة تحترم داخل قبيلتها وعائلتها، حتى اللبس اختلف عن قديم الزمان نتيجة غزوا فكر دخيل على التقاليد الحضرمية حتى في الملبس، إذ نرجو من المرأة نفسها البحث في هذا الجانب لكي نعود لتلك التقاليد الأصيلة للمرأة الحضرمية وترسخها وتدافع عنها بشدة، إلى جانب أن تحافظ على ما حققته من تقدم وعلينا كنساء أن نجعل من الخُلق الداخلي أساس لكل شيء، لنطالب بالتغيير ولكن ليس التغيير والتقليد الأعمى لثقافة الغير يجب ان نتغير من الداخل اولاً بمستوى يحافظ على عاداتنا وتقاليدنا كحضارم.

ترك الرد