المكلا (المندب نيوز) مصدر: سوث24

مع تصاعد حدة القتال حول مركز محافظة مأرب في شمال اليمن، بين الميليشيات الحوثية المدعومة من إيران، والقوات المحلية الموالية للرئيس هادي، تبرز عدة سيناريوهات تحدد مصير الوضع السياسي القائم، إذا ما سقطت المدينة بيد الجماعة الشيعية.

من إجمالي 14 مديرية ممتدة في مأرب، أصبحت مراكز سبع من مديرياتها، حسب وسائل إعلام محلية، تحت سيطرة الحوثيين. وفقا لوكالة الصحافة الفرنسية فإنّ المواجهات تبعد أكثر من 10 كيلومترات عن مأرب من الجهة الغربية”، وقد خلّفت عشرات القتلى والجرحى من الطرفين.

وعلى الرغم من المقاومة الشرسة التي تُبديها القوات المحلية لقبائل مراد المدعومة بغطاء جوي للتحالف الذي تقوده السعودية، إلا أنّ تجدد المعارك الأخيرة، بعد هدوء استمر قرابة ثلاثة أشهر، يُشير إلى توجهات إقليمية وربما دولية لصنع توازنات جديدة على الصعيد السياسي والميداني.

وتأتي العملية العسكرية الجديدة في مأرب في وقت تتحرك إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن باتجاه قلب استراتيجية الولايات المتحدة بشأن اليمن رأسا على عقب، بعدما أعلنت سحب الدعم الأمريكي للسعودية، حليفة واشنطن، بالإضافة إلى التراجع عن تصنيف الحوثيين  منظمة إرهابية.

خريطة توضح الوضع الميداني ومناطق السيطرة الحوثي والحكومة في محافظة مأرب، حتى سبتمبر الماضي. (قبائل اليمن)

استماتة

في الوقت نفسه، تستمر جماعة الحوثي بتكثيف هجماتها الصاروخية وهجمات الطائرات المسيّرة على مواقع مدنية ومنشآت استراتيجية داخل أراضي المملكة العربية السعودية.

لقد تزامنت أقسى هذه الهجمات مع وصول المبعوث الأمريكي الخاص إلى اليمن، توم ليندركينغ إلى السعودية والتقائه بعدد من المسؤولين السعوديين واليمنيين. استهدفت، الأربعاء الماضي، أربع طائرات مسيّرة مطار أبها الدولي. تعرّضت طائرة سعودية مدنية لإصابات كبيرة. أقرت جماعة الحوثي بمسؤوليتها عن الهجوم، وزعمت أنها هاجمت أهدافاً عسكرية.

لقي الهجوم الحوثي إدانات واسعة، حيث أظهر مدى استعداد الحوثيين لتكرار حادثة مطار عدن الدولي، في 31 ديسمبر كانون الأول، عندما قصفت بثلاثة صواريخ موجّهة صالة ومدرج المطار، أثناء وصول حكومة المناصفة الجديدة، وقتلت وجرحت ما يزيد عن 120 شخص، بينهم صحفيين وعمال إغاثة ونساء.

هجوم الحوثيين على مأرب في اليمن وعلى الأراضي السعودية، جاء عقب زيارة قصيرة قام بها مبعوث الأمم المتحدة إلى اليمن إلى طهران، لأول مرة. التقى خلالها مسؤولين إيرانين، بهدف ما أعلن عنه غريفيث “التوصّل إلى حلّ سياسي للنزاع في اليمن عن طريق التفاوض.”

طائرة مدنية سعودية تعرّضت لإصابة عقب هجوم طائرات مسيّرة مفخخة أطلقها الحوثيون على مطار أبها الدولي في السعودية، 10 فبراير 2021 (العربية)

ملف إيران النووي

لا يمكن فصل ما يحدث في اليمن، عن أزمة الملف النووي الإيراني منذ توقيع الاتفاق في يونيو 2015، الذي انسحبت منه لاحقا إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب. فقد تزامن توقيع الاتفاق أنذاك مع طرد ميليشيات الحوثيين من محافظات جنوب اليمن، وتطهير مدينة الأنبار في العراق من الخلايا الإرهابية التابعة لتنظيم الدولة، وفقاً لمراقبين.

يشير بدر محمد الباحث في مركز سوث24 للأخبار والدراسات، إلى أنّ أمريكا وإيران يعودان من النقطة التي انتهوا منها على الصعيدين الإيراني واليمني وربما العراقي أيضا.

ويرى محمد في أنّ “ذهاب الحوثيين إلى ضرب السعودية اليوم بشكل هستيري ومجنون يُفسَّر بأمرين: إمّا أنّ عملية إسقاط مأرب استعصت وأصبح الحوثيون في وضعية صعبة، خشية أن يرتد العجز عن إسقاطها نحو تهديد صنعاء.” أو “أنها محاولة لاضفاء البُعد الدولي على معركة مأرب”.

ويضيف الباحث في الشؤون السياسية اليمنية “في جميع الأحوال، كل الفرضيات تُثبت أنّ إيران تستخدم الحوثيين كأداة للتعطيل والتنصل من مفاوضات الملف النووي، وكذلك لاختبار جدية الإدارة الأمريكية الجديدة وإلى أي مدى تذهب في استخدام سياسة النفس الطويل”.

لكنّ إيران لا يقتصر تصعيدها من خلال وكلائها في اليمن وحسب. فقد سارعت في تحقيق خطوات متقدّمة في تخصيب مادة اليورانيوم، وسط تحذيرات دولية من قرب امتلاكها قنبلة نووية.

قال تقرير للوكالة الدولية للطاقة الذرية، الأربعاء، إنّ “|إيران بدأت بإنتاج معدن اليورانيوم لتغذية مفاعل للأبحاث النووية في طهران”، في انتهاك جديد لالتزاماتها في إطار الاتفاق حول البرنامج النووي الإيراني المبرم عام 2015.

وأكد مفتشو الوكالة الدولية للطاقة الذرية وجود 3.6 غم من مادة اليورانيوم في منشأة في إصفهان الأسبوع الماضي.

لا تخفي إيران عزمها امتلاك قنبلة نووية. وتصر على رفع العقوبات الأمريكية عنها قبل العودة للاتفاق النووي.

في وقت سابق هذا الأسبوع، قال وزير الأمن والاستخبارات الإيراني، محمود علوي، إنه «إذا تم الدفع بطهران نحو صناعة سلاح نووي، فلن يكون ذنبها، بل ذنب من دفعها إلى ذلك».

لا يوجد حتى اللحظة رد فعل أمريكي تجاه التصعيد الجديد لإيران ووكلائها في اليمن، على الرغم من أنّ الخارجية الأمريكية أشارت إلى إبقاء قادة الحوثيين في قائمة الإرهاب.

بيدق

أثارت، بالمقابل، خطوات بايدن الأخيرة تجاه الأزمة في اليمن، غضب الخبيرة الأمريكية دانييل بليتكا، رئيسة قسم السياسات والدفاع في معهد أمريكان انتربرايز، متهمة الرئيس الجديد بانتهاج “سياسة كابوكي خارجية”. لقد عنت بذلك أحد أساليب المسرح الياباني القديم.

وأشارت بليتكا، في مقالة ترجمها، سوث24، في وقت سابق، لعدم وجود نية، لواشنطن، لمعالجة المشكلة الأساسية المتمثلة في موت اليمنيين”. بل إنها، وتعني هنا خطوات بايدن، “تمثّل تلاعبًا آخر بالدولة الصغيرة المطلّة على البحر الأحمر كبيدق في اللعبة التكتيكية الأمريكية في الشرق الأوسط.”

وبحسب الخبيرة الأمريكية فقد “اضطر فريق بايدن الجديد في وزارة الخارجية إلى إدانة أربع هجمات مسلّحة بطائرات بدون طيار موجّهة من الحوثيين على المدنيين في غضون ساعات من قرار شطبها من قائمة الإرهاب.”

وفي حين عددت بليتكا التدخلات الخارجية في الملف اليمني، إلاّ أنّها أرجعت نتيجة الصراع الفوضوي لليمن إلى ما أسمته “التوحيد الفوضوي” الذي خلّفته الحرب بين شمال وجنوب اليمن.

إدارة بايدن أكدت في أكثر من بيان صحفي التزامها “بمساعدة السعودية على تعزيز قدراتها الدفاعية”.

في هذا الوقت لم تُظهر الولايات المتحدة خطة واضحة لحل الصراع المعقّد في اليمن، بقدر ما زادت قراراتها الأخيرة من تعقيدها. لكنها وفقا لمبعوثها الخاص، تدفع بالجهود للتوصل لحل سياسي شامل في البلد، وتلتزم بحماية حلفائها.

على الرغم من هجمات التحالف العربي الجوية، إلا أنه لا يبدو أنّ قوات “الجيش الوطني” المتعددة الولاءات الموالية لهادي، قادرة على الدفاع عن معاقلها في الشمال، في حين تنتشر معظم قواتها في مناطق شرق جنوب اليمن النفطية، خصوصا تلك التي يسيطر عليها تنظيم الإخوان المسلمين.

قد تؤدي صفقة سقوط مأرب المرجّح بيد الحوثيين إلى صنع مقاربة إيرانية أمريكية نحو عودة محتملة للاتفاق النووي. لكنها ستفتح المجال أمام سيناريوهات عدة وربما جولات صراع جديدة، ستنعكس بصورة رئيسية على مستقبل جنوب اليمن، الذي يسعى للاستقلال عن الشمال، ومصير حكومة الرئيس عبدربه منصور هادي، المعترف بها دولياً.

 

ترك الرد