المكلا (المندب نيوز) خاص

الفنان أحمد يسلم زبير الملقب (بدوي)، سمي ببدوي عندما قال هو عن نفسه عشت فترة من طفولتي مع بادية شبام، وكلما قابلني احد من أسرتي يدعونني يابدوي، واُلصق بي هذا الاسم إلى ألان. لم يسمع ولم يقرأ عن حياته الفنية وعلاقاته الاجتماعية بالناس إلا القليل، والسبب يرجع إلى عدم الاهتمام بتتبع حياة المبدعين ومنهم بدوي، وعلى أصدقاءه وأسرته أخذ المبادرة بتوثيق ماخلفه هذا المبدع من نشاط اجتماعي وتراث فني متعدد في فترة زمنية قصيرة واقتحامه مجالات فنية له الأسبقية في إظهارها للجمهور، في هذه اللفته لا اقول باني سأبدأ من حيث انتهى الاخرون، ولكني استرجع ذاكرتي واتذكر بعض مواقفه.. كنت شاهد عليها منذ بداية التسعينات وما سمعته عنه، وقد حُظي بالأولوية في أداء بعض من قصائد المحضار.

 

فهو شاعر.. من قصائده: تغيروا ليه قلي على أيه ** نحب ومن حبنا هو لنا خير محبوب هل هو الزمن تغير وإلا القلوب تتغير الناس بين الحين والآخر ** ونا حائر معاد نا قادر نفهم تغيروا ليه قلي على أيه ** نحب ومن حبنا هو لنا خير محبوب هل هو الزمن تغير وإلا القلوب وكذلك من أغانيه : وداعاً يا سماوات المحبة.. وداعاً وداعاً بعد نكران الأحبة.. وداعاً ولا بندم على شي ولا باقول انا شي وداعاً لا من شاف ولا من دري وأيضا فهو ملحن، فقد لحن أغانيه، وكذلك عمل على وضع لحن لأغنية من أغاني المحضار، حيث تقول الأغنية: المحبة بغت إنسان طبعه مثالي ** يضربوا به مثل يدخل البحر في بحر الهوى ما يبالي ** بأي طرشه وبل مشكلة الآدمي لا كان صبره قليل ويعتبر “بدوي زبير” إيقاعي متميز في إجادته لجميع الإيقاعات الحضرمية، إضافة إلى بعض الآلات الموسيقية المعروفة، أما آلات العود فحدّث ولا حرج، وكذلك استطاع أن يؤدي أغلب الألوان اليمنية بشكل خاص والعربي بشكل عام.. وكذلك تفرده في أداءه للدان الحضرمي، ولكن سماع الناس عن حياته الاجتماعية وعلاقته بالناس بكافة أطيافهم، ومساعدته للبعيدين، فضلا عن المقربين منه إلا القليل، وقد أحيا حفلات زواج بعض الناس بدون مقابل، وقد قابلته يوما متوجه من الشحر الى شبام لإحياء حفلة زواج لشاب من ساكني حارة بدوي بالمجان، وتوجه إلى شبام ليس إلا من اجل ذلك الغرض، فسالته هل هو من أسرتك؟ قال لا بل إنه نشيط ويساعد الناس في المناسبات وأنا سوف أشاركه زواجه بالمجّان، وكذلك موقف كنت شاهد عليه عندما جاءه إلى بيته صديق انا اعرفه شخصياً وطلب منه مبلغ من المال لآجل علاج والدته والسفر بها الى خارج حضرموت، وفي الحال استجاب له وأعطاه ورقه لصاحب محل ليصرف له مبلغ من المال، وقد فاجأنا “بدوي” في زواجي عندما حجز المخدرة والصوت دون علمي رداً للجميل، حيث كنت فيما مضى أقوم بتسجيل بعض أغاني المحضار وأعطيه النص مع اللحن، وكان يقول ما بنسى لك هذا المعروف ياعيدروس

. إنه رجل شهم صاحب مواقف، وإن الموجود والمتداول بين الناس عن حياته وفنه لا تفي بحقه كمطرب متفرد، وحتى المقربين منه معرفتهم به سطحية .

 

ان “بدوي زبير” شخصية فنية واجتماعيه تجاوزت ماهو مألوف في الساحة، فقد أخبرنا أحد الأصدقاء والمقربين من بدوي حيث قال: كنا دائماً على تواصل معه وجمعتنا جلسات لا تحصى، وكم تبادلنا فيها الأحاديث ولكنها بعيدة كل البعد عن شخصه وعن حياته الفنية وعن ابداعاته وعلاقته بأهل الفن والمبدعين، بل لم يخطر ببالنا أن نسأله عن شي منها، ولما قصر به العمر -رحمه الله- تراكمت في مخيلتنا كثير من الأسئلة ولكن بعد فوات الأوان، وقال أخر لم نشاهد ‘بدوي” يتصفح كتاب أو يراجع شي من الدواوين الآ اذا عرضت عليه قصيدة جديدة من شاعر أو شريط به أغاني قديمة للاستفادة منها، فتميزه بذاكرة الحفظ جعلته ينفرد بهذه الموهبة عن غيره من الفنانين، ونستشهد بما قاله المحضار في إحدى قصائده: (ب نون كاف).. وتميزه بالذكاء والفطنة حيث لم نسمعه يوماً يعتذر عندما يعرض عليه طلب أغنية من الحاضرين في جلسة أو سهرة، فهو يؤدي الطلب في الحال، وهذا لايخفى على احد.

 

كان ذا طاقة وقوة في الصوت يستطيع أن يحيي جلسة من بعد الظهر ويستمر بها إلى أخر الليل وكذلك انتقاله من جلسة إلى سهرة، وأتذكر في سهرة له خارج مدينة الشحر، تتبعت عدد الأغاني المغناة فيها؛ فكانت خمسة عشر أغنية، إلى درجة أنه يغني أغنيتين مع بعض دون الحاجة إلى النظر في الدواوين، ولا يظهر عليه آثار الإرهاق أو ضعف في الصوت.

 

ماذا نقول في ذلك؟!.. اترك الامر للاخرين للاجابه عليه. أخي القارئ؛ في هذه اللفتة البسيطة نرجع بالذاكرة إلى فترة التسعينات، وخلالها تمكنت من تسجيل بعض القصائد مع ألحانها للمحضار على فترات، وقدمتها لبدوي، وعندما أسلمها إياه يقرأها بضع مرات مع سماعه للحن ثم يقول أمسك ورقتك مع الشريط قدها في الرأس!! وبعض الأحيان يأخذ الورقة والشريط إذا كان متأهب للسفر إلى شبام مسقط رأسه.

 

الفنان بدوي سبق غيره من الفنانين من خلال تطويعه لكثير من القصائد الدينية لشعراء كثر إلى الإيقاع الغنائي؛ منها قصائد الحبيب علي بن محمد الحبشي مثل قصيدة (بانقرع الباب)، وكذلك قصيدة للحبيب أبوبكر بن سالم بن الشيخ أبوبكر (مول عينات) يقول مطلعها: أكتم هوانا أن أردت رضانا**وأحذر تبيح بسرنا لسوانا واخضع لنا ان كنت راجي وصلنا**واترك مناك ان اردت منانا فقد أعطيته قصيدة (أكتم هوانا) قبل انعقاد جلسة غنائية بلحظات في الشحر عام 1995م، بمناسبة وداع الأخ فرج علي مهيدي -حفظه الله- وفي الحال أبدع بتلحينها ووضع إيقاعات لها مع الإيقاعي الموهوب حسن سعيد علي -رحمة الله- فكان يلقن حسن ضربات الإيقاع، وقد أخبرت منشد من مريدين جلسات الموالد والحضرات؛ أن بدوي غناها في جلسة فقال: غير معقول بعد هذه السنين يتجرأ “بدوي” عليها!! ثم قال لا أنشدها بعد اليوم.. وعندما أردت معرفة السبب لم يخبرنا مع العلم أنه من متابعي أداء “بدوي” في أداءه للقصائد الدينية، وخاصة قصائد الشاعر عبدلله محمد باحسن.

 

إضافة إلى قصائد دينية للشاعر حسين بن أبي بكر المحضار، فقد سمعت المحضار يقول عندما أخبرته أن “بدوي” غنى قصيدة (عاد اللقاء ما بيننا ياراد ياعواد) البارحة في سهرة.. فقال المحضار: (أن بدوي لم يترك شيئاً إلاغناه) -يقصد بها القصائد الدينية- وهنا سؤال يطرح نفسه؛ هل ترمل الفن في حضرموت بعد وفاة المحضار وبدوي ومن بعدهم سعيد عبد المعين؟ ففي عام 1995م طلبت منه شخصياً أن يسجل لي شريط موشحات من قصائد دينية متنوعة بدون إيقاع، فقال فهمت ماتطلبه، وعلى الفور لبى الطلب، وجاء إلى بيتنا حسب الموعد، فسجلنا الجهة الأولى من الكاسيت، ثم ذهب وجاء في موعد آخر ليكمل الجهة الثانية من الكاسيت، وكان مهتم في اكماله وإتمامه، وأفتتح الجلسة بقصيدة للشيخ البرعي، وبقية القصائد من ديوان سمط الدرر للحبيب علي بن محمد الحبشي، وبعد وفاته أهديتها لأهله، وعندما أستلم الشريط أبنه “صالح” أطال الله عمره، وقام بتشغيله في بيتهم تأثر كل من سمعه وذرفت من أعينه الدموع، وعم البيت الحزن، وقال لي بعد ذلك: (سويتلي شغله ياعيدروس اهل البيت كلهم يبكون)!! وكذلك بعض أصدقاءه تأثروا بعد سماعهم صوت “بدوي” وهو ينشد، وعندما علم الناس في الشحر بالشريط انهالت الطلبات علي لاقتناء نسخة منه وخاصة بعد وفاته.

 

ان هذه المحبة من أهل الشحر لبدوي لا يمكن وصفها، وقد سمعته يقول عنهم: (بغوا انتباه لأنهم متابعين أول بأول ويسالوا عن أي شي تغنيه ولم يسمعوه من قبل)، والشيء بالشيء يذكر، فقد قال الفنان فيصل علوي عن اهل الشحر: (عندما تكون في السهرة كن منتبه من جمهور اهل الشحر سوف يقوموا ويتركوك لحالك تغني)!.. هذا ماسمعته منه شخصيا في بيت ال بارجاء بالشحر عندما كنت من ضمن الضيوف للغداء، وبجانبي فيصل وابنة علوي -رحمهم الله- والإيقاعي فضل ميزر وآخرين.. لايتجاوزون عشرة أشخاص.

 

في عام 1997م نسّقت جلسة غنائية مع “بدوي” بمناسبة زواجي، والشاعر المحضار سوف يكون متواجد فيها، وألف قصيدة لهذه المناسبة، وعندما دونتها منه طلبت منه أن يسجل اللحن في شريط، فرد علي وقال: (عندما يتواجد بدوي في الجلسة سألقنه اللحن)، فاستغربت من ذلك؛ فقال المحضار ليست هذه المرة الأولى، وقال أيضا لي “بدوي” بعد وفاة المحضار أنه جمعته جلسة بالمحضار في السعودية، وأثناء الجلسة سمّعه المحضار لحن لأغنية وغناها في حينها بدوي، وكذلك في فترة سابقة أعطيت لبدوي أغنية من أغاني المحضار: (مشينا بها في الرمل مشي المجانين) ثم سمَّعته اللحن من المسجل مرة واحده، ثم طلبت منه أن يسمَع لي اللحن بصوته، وسجلته في الحال، فكأنه قد سمعه من قبل! يلتقط مثل المسجل -رحمه الله- ولازلت أحتفظ بالتسجيل في أرشيفي الخاص. فهذه خصائصه التي تميز بها عن غيره، ثم حالت ظروف لم يتمكن حينها “بدوي” من الوصول إلى الشحر لعقد الجلسة، وبقيت القصيدة وذهب اللحن مع المحضار رحمه الله

 

. أيضا في عام 1997م جاء “بدوي” إلى سيحوت في زيارة لأصدقاءه من حارة المجورة، وصادف وجودنا مع مجموعة من المعلمين في مدارس سيحوت، وفي سكن المعلمين استضفنا الفنان بدوي، وبعد العصر رتبنا جلسة حضرها معلمين من جمهورية السودان الشقيق، وبعد انتهاء الجلسة قال لي أحد المعلمين السودانيين: (أن صاحبكم هذا -ويقصد به بدوي- فنان مبدع)، وبمزحة مني أخبرت “بدوي” هل تستطيع أن تُغني سوداني قال نعم!! في أواخر شهر سبتمبر سنة 2000م أي قبل وفاته بأقل من شهرين التقيت به في بيته بمسقط رأسه بشبام مع صديق لي من قارة عبد العزيز، وطال بنا الحديث إلى أن وصلنا في شخص “المحضار” فقام وأحضر ديوانيين للمحضار هما: أشجان العشاق وحنين العشاق، وطلب مني أن نبحث له عن ألحان بعض القصائد الموجودة في الديوانيين، وبدأ يستعرض لي أسماء القصائد منهن (نسيت النصيحة، ترك حبي، الهند تخلف للهنود، طارت من أيديك، مواعيد المحبين، أيام الحب، آلام البعد، ياحافظ الخلق، مالوا، عاشق الليل، المحب ربه يعينه، زمان الوصل، غنت حمامة، مارحمني، درب الهوى، ماقصر زماني، الله قدير، أليف طبعك اليف، افتكر، ضريبة الوصل، الساحل الشرقي  .

 

) ولا ننسى في هذه اللفتة البسيطة أن نستعرض بعض من قصائد المحضار التي أول ماتشرّف بأدائها الفنان بدوي زبير، وهي كثيرة؛ ومنها على سبيل المثال: (صبيغتي قي حبل جروان، كل من بناء صرح المحبة يحكم التأسيس، ماء وخضرة ووجه الحسن، جرايد خبرت، مشينا بها في الرمل، المحبة بغت إنسان طبعه مثالي، خطفت قلبي، لاتحسد أخوانك البدوان)، ولا اقول اني ساْنتهي بما قلته عن “بدوي” ولكن قلت بما أعرفه بعد مرور 16 سنة من فراقه.

. “بقلم الاستاذ:عيدروس محمد الحبشي”

LEAVE A REPLY