المكلا (المندب نيوز) البيان

استبعد معالي الدكتور أنور بن محمد قرقاش، وزير الدولة للشؤون الخارجية، انفراجا لما يسمى “أزمة قطر” مشيرا في مقال نشره في صحيفة “الحياة” إلى أن هذه الأزمة لم تأت من فراغ، بل كانت نتيجة طبيعية للسياسات القطرية التي ضخمت من حجمها ودورها في المنطقة، وبينت توجها انتهازيا لا يميزه الوفاء أو لا تفهم الوجيزة الرسمية والخليجية، منها يأتي نص مقال معاليه:

تمر الذكرى الأولى لما تعارف العالم على تسميته “أزمة قطر” ولا يبدو أنها مرشحة للانفراج، بل لعلها تبدو كمكون علينا أن نعايشه ونعتاد عليه في المشهد الخليجي، وسط الضجيج الإعلامي الصاخب بين قطر والدول الأربع التي عبرت بوضوح عن هواجسها من السياسات القطرية التي أربكت الملفات الخليجية والإقليمية، فيما تشعر قطر بعزلتها في محيطها وبتناقص دورها وتقوي أحلامها.

لا بد لنا من التذكير بأن هذه الأزمة لم تأت من فراغ ولم تصدمنا من حيث لا نعلم، بل كانت نتيجة طبيعية للسياسات القطرية التي ضخمت من حجمها ودورها في المنطقة، وبينت توجها انتهازيا لا يميزه الوفاء أو حتى مفهوم المصلحة القطرية والخليجية.

منذ البدايات شهدت العلاقات القطرية مع دول خليجية وعربية العديد من الأزمات الصغيرة والمتوسطة، وكان من الطبيعي أن يؤدي ذلك إلى أزمة 2013 و 2014 التي تم على أثرها التوصل إلى اتفاق لم يحترمه الأمير الجديد، على رغم تأكيداته للالتزام في حضرة قادة دول الخليج في الرياض.

ولا شك في أن هذه الرواسب التي تراكمت تدريجا منذ انقلاب عام 1995 أسهمت بشكل كبير في انعدام الثقة بالدوحة والتزاماتها، وهذا الجانب مكون أساسي في معرفة توجهات الدول الأربع تجاه سياسة قطر الخارجية، حيث تبنت الدوحة منذ عام 1995 مشروعا لا يتناسب مع حجمها (الجيوسياسي) ، وسعت منذ البداية لتحقيق طموحها باستخدام إمكاناتها المادية الهائلة في مجموعة من الشراكات الانتهازية التي شملت النقيض والنقيض، من حزب الله إلى الرئيس السوري إلى العقيد الليبي الراحل وصولا إلى الإخوان، وعبر هذه الشراكات سعت الدوحة إلى تعزيز وجودها الإقليمي عبر استضافتها القاعدة الأمير ية وعبر مشروع قناة الجزيرة.

بدأت قطر على استحياء باللعب على التناقضات، فمبادرات السياسة القطرية الخارجية انصبت على الوساطات، وهو توجه تقليدي في العلاقات الدولية للدول الصغيرة، وبعد ذلك انتقلت إلى البحث عن دور متضخم، دور لا تسنده مصالح اقتصادية أو قوى عسكرية أو قاعدة صناعية، فالمشروع منذ بداياته هو حلم يقظة فردي سخرت له الإمكانات وبنيت له الشبكات ودفعت في سبيله الأموال لإنجاحه، لكنه تميز بانتهازية رهيبة، ورأينا ذلك من خلال التطبيع مع إسرائيل بهدف بناء جسور مع الغرب تدعم هذا المشروع، ويبقى أولا أن هذه الطموحات السياسية المكلفة وعالية السقف من الصعب أن تعبر عن ال مصالح الحقيقية لدولة وراثية خليجية محافظة، بل هي طموح مكلف لحاكم يهوى السياسة، ويريد أن ينغمس فيها، ومع هذا لا اعتراض إن كان هذا المشروع لا يؤثر في استقرار المنطقة، ولا يتناول سلبا أمن الجيران وأمانهم، وهنا بيت القصيد، فالسيادة والسياسة الخارجية المستقلة عرف من أعراف مجلس التعاون الخليجي، ولم يكن هناك يوما اعتراض على سياسة هذه الدولة الخليجية أو تلك، ولكن حين تبين أن المشروع الفردي الذي تبنته قطر يعمل ضد أمن المنطقة واستقرار دولها، كان لا بد من المصارحة والمواجهة.

واليوم بعد مرور عام على إجراءات المقاطعة، نجد أن جوهر الخلاف بقي كما هو، فقطر ما زالت داعمة للتطرف والإرهاب وتتبنى العديد من هذه المشاريع الإرهابية في العالم العربي، والشواهد على ذلك كثيرة، من ضمنها دور قطر في ليبيا ودعمها جماعة الإخوان، إضافة إلى دعمها جماعات عدة مرعبة ب «القاعدة» في العراق وسوريا وليبيا.

على حدٍ من أن قطر (بعد انهيار). ولا يخفى في هذا السياق أن قائمة الإرهاب تم نشرها بعد ضغط أميركي مجتزأة من قائمة الدول الأربع ضد قطر والأدلة الأخرى عديدة.

العامل الثاني هو أن استمرار تدخل قطر لزعزعة أمن واستقرار الدول الأربع وغيرها من الدول واضح للعيان، ولعل الشريط الشهير لأمير قطر السابق ووزير خارجيته وهو يتآمر على السعودية وملكها مع القذافي هو من أبرز علامات السقوط المدوي سياسيا.

إضافة إلى ذلك، شهدت أروقة مجلس التعاون الخليجي نقاشات عدة حول التدخل القطري لتقويض أمن البحرين بأسلوب ممنهج وموثق، ولا نزيد على ذلك تدخلها في سبيل زعزعة الاستقرار المصري والإماراتي.

والغريب في تعامل الدوحة مع هذه الأزمة ومع أربع دول خليجية وعربية رئيسة -وبعيدا عن المكاشفة والمراجعة باعتبارهما من الأخطاء التي لا بد من تحاشيها- رأينا مكابرة عجيبة وغيابا كاملا للحكمة، وذلك لحماية مشروع الفرد الذي وجه قطر منذ عام 1995.

وفي غياب المراجعة الحريصة على العلاقة مع الجيران والمحيط رأينا الدوحة تكيل الاتهامات وترفع شعار السيادة وتصرخ بالمظلومية، ورأينا انتقال وزرائها حول العالم للترويج لقضية خاسرة، وكأن الأمر يتعلق بمعركة علاقات عامة يكسبها من يصرخ أكثر، وقد استفادت دول عدة من هذا الحلم القطري فوثقت العقود المجزية ، مدركة أن الفرصة سانحة لمثل هذا المكسب.

كما اتضح أن القراءة القطرية بالتصادم والمكابرة اعتمدت على رؤية مشوهة حول كيفية إدارة العلاقات الدولية، والآن وقد تبخر الأمل بالتدخل الغربي في هذه المسألة الخليجية، واتضح كم كان غافلا وشاردا ذهن الديبلوماسية القطرية في تحركاتها لفك أزمتها الحقيقية، فإن حل هذه الأزمة يكمن في مراجعة قطر لذاتها وتراجعها عن دعمها وتطويلها في المنطقة، وهو أمر سهل الوصول.

اليوم وقد مر عام على أزمة قطر، ندرك أن العوامل الأساسية التي أدت إليها ما زالت تراوح مكانها، فلا يمكن حل هذه الأزمة من دون معالجة دعم قطر التطرف والإرهاب، ولا يمكن حلها من دون التراجع عن الإضرار بالغير، لكن الحل -ومن واقع التجربة- تنفيذ الضمانات، لأن الثقة في ظلّ إطلاقها في العام 2013 و 2014، وفي ظل المكابرة والتضليل والصيانة.

تضاريس

ومع استمرار أزمة قطر نرى أمامنا تضاريس جديدة للعلاقات في المنطقة، فدور الدوحة تهمش نتيجة سوء اختياراتها، ولن يسعفه تخريب هنا أو رشوة هناك أو تغطية إعلامية مبالغ فيها، كما أن الاستحقاقات الدولية والإقليمية المقبلة ستمنع عنها بعض الشراكات التي تسعى إليها، وستستمر الدوحة للعام الثاني من أزمتها محاولة إحياء الاهتمام الدولي بعزلتها وسيكون ذلك أمرا أكثر صعوبة، فمع غياب الحكمة ستراوح الدوحة مكانها من دون تغيير في المشهد، أو في الضغط الذي تتعرض له، أما الدول الأربع فقد نسجت علاقات دولية لا تشمل جارتها الصغيرة، تديرها من دون حضورها المرتبك، لا يبق من هنا؟

وعليه فإن الدول الأربع اليوم أمامها العديد من الخيارات بالتعامل مع المشهد الإقليمي وفي ترتيب تحالفها لدعم الأمن والاستقرار في المنطقة والتصدي للتطرف والإرهاب، من دون أن تؤثر هذه الأزمة في قوة حضورها إقليميا وعربيا ودوليا.

اترك تعليق