بقلم / الأستاذ فرج عوض طاحس
بقلم / الأستاذ فرج عوض طاحس

تعتبر القبيلة من المكونات الأساسية في المجتمع اليمني ، ولقد لعبت دورا هاما ومحوريا في كل التحولات والتطورات التي شهدتها الجمهورية العربية اليمنية قبل قيام الوحدة ، فالقبيلة لها وجود قوي ومؤثر في كل أجهزة الدولة الأمنية والعسكرية والتنفيذية والتشريعية ، ويتم تولي الوظائف في سلطة الدولة وفقا للولاء القبلي وخاصة الوظائف الحساسة ، قبيلتا حاشد وبكيل من اكثر القبائل انتشارا ونفوذا في الشمال ، حيث ينتمي اليهما معظم رجالات الدولة في مختلف مؤسساتها المدنية والعسكرية ، ولاسيما قبيلة حاشد التي ينتمي اليها الرئيس ورئيس البرلمان في العهد السابق .

القبيلة في الجنوب موجودة كمكون اجتماعي لها عاداتها وتقاليدها ، لكنها لا تتمتع بأي نفوذ سياسي وسلطوي كم اهو موجود في الشمال ، وأفراد القبيلة مندمجون مع باقي أفراد المجتمع الأخرين ويمارسون حياتهم بشكل طبيعي هذا بعد استقلال الجنوب .

 اما قبله فكانت القبيلة موجودة كسلطة ونفوذ ممثلة في الأمارات والمشيخات والسلطنات التي كانت تحكم في الجنوب حتى عام ١٩٦٧ بعد الاستقلال تم توحيد كل هذه الإمارات والسلطنات والمشيخات التي يقدر عددها ما بين ٢١ الى ١٨ في اطار دولة وطنية واحدة ، هي جمهورية اليمن الجنوبية الشعبية ، السلطة فيها للدولة والحزب .

 كما تم بناء جيش وطني قوي ولاؤه للوطن ، انخرطت فيه كل فئات الشعب دون تمييز. في عام ١٩٩٠ م دخل شطرا اليمن في وحدة اندماجية كانت أهم شروط اتفاقية الوحدة الأخذ بما هو أفضل في نظام الشطرين ، لكن دخل شريكا الوحدة الاشتراكي والمؤتمر في صراع بسبب الاختلاف في طريقة إدارة الدولة الجديدة ، حيث ظلت تدار بعقلية القبيلة على حساب المؤسسات .

 وقد اتفقت القوى الوطنية كحل للأزمة على وثيقة العهد والاتفاق التي وقعت عليها كل الأحزاب والقوى السياسية في اليمن كأساس لبناء الدولة اليمنية الحديثة ، لكن للأسف تم الانقلاب على هذه الوثيقة من قبل المؤتمر الشعبي العام مدعوما من كل القوى القبلية والتقليدية التي تعارض بناء الدولة اليمنية الحديثة، بإعلانهم الحرب على الجنوب عام ١٩٩٤ م واجتاحت قواتهم مدن الجنوب وقراه وازاحوا شريك الوحدة وفرضوا واقعا جديداً في الجنوب .

 حيث اقدموا على تسريح جماعي لآلاف من أفراد المؤسسات الأمنية والعسكرية ، وكذألك المؤسسات المدنية بفرض التقاعد الإجباري وحل بدلا عنهم آخرون من الجنوب والشمال يدينون لهم بالولاء .

وفي نفس الوقت نقلوا نظام الجمهورية العربية اليمنية الإداري الى الجنوب بكل فساده وعلاته مخالفين اتفاقية الوحدة بشأن الأخذ بأفضل ما في حكمي الشطرين ، وعملوا على اعادة انتاج القبيلة ونشر العلاقات القبلية على حساب سلطة الدولة ، فأنشأوا مصلحة شؤن القبائل وزودوها بميزانية ضخمة على حساب التعليم والصحة ، بهدف شراء ولاء شيوخ القبائل ومقادمتها.

 وتم تنصيب عدد كبير كشيوخ قبائل تصرف لهم مرتبات شهرية ، وصار شيخ القبيلة يتمتع بنفوذ اوسع من الدولة ويبرز دورهم بشكل أكبر أثناء الانتخابات لصالح النظام في القرى والأرياف ، وضم الكثير منهم إلى عضوية المؤتمر الشعبي والى هيئاته القيادية كإطار ديكوري .

 كما تم أيضا نشر عادات وتقاليد قبلية سيئة كحمل السلاح واطلاق النار في المناسبات كانت محرمة في الجنوب يعاقب عليها بشدة ، كما تم اللجوء الى العرف والتحكيم القبلي في حل كثير من القضايا التي يتطلب حلها تحكيم القوانين والشرع كقتل العمد وغيرها على حساب سلطة الدولة ونفوذها.

 مما أدى الى اضعاف الدولة وهيئاتها ومؤسساتها وخاصة المؤسسات الأمنية والعسكرية والقضائية ، وزادت البلطجة وانتشر السلاح بشكل كبير، وكثرت أعمال القتل والتقطع وبرزت بشكل واضح حروب الثأر بين القبائل والصراع حول الإراضي ، ووجدت المنظات المتطرفة التي لها اجنداتها الخاصة أو تلك التي تتبع جهات سياسية بيئة مشجعة لنشاطها ، مستغلة الفراغ الأمني وحالة الفوضى السائدة في الجنوب بسبب غياب الدولة ومؤسساتها الأمنية والعسكرية.

 
في عام ٢٠٠٧ م شهد الجنوب حراكا سلميا مطلبيا قام به العسكريون الذين أجبروا على التقاعد مطالبين بحقوقهم وتسوية أوضاعهم أسوة بزملائهم العسكريين الآخرين

لكن ما لبث أن تحول الى حراك جماهيري واسع شمل الجنوب كله ذي أهداف سياسية ، وهي الانفصال عن دولة الوحدة بعد فشل الوحدة وتحولها من مشروع للتنمية والبناء الى مشروع للهيمنة والنهب والفيد ، وكان هذا الحراك بداية لحراك سلمي واسع شمل الوطن كله ، ثم تحول الى ثورة شعبية عارمة في فبراير ٢٠١١ م على نمط ثورات الربيع العربي التي بدأت شرارتها من تونس ، وبقوة الثورة الشبابية وتدخل الأقليم .

 أرغم رئيس الدولة على التنحى لنائبه ، حسب المبادرة الخليجية واقيمت سلطة توافقية ، ودخلت القوى السياسية المتصارعة في حوار طويل برعاية اممية انتهى هذا الحوار بمصفوفة من المشاريع والقوانين عرفت بمخرجات الحوار الوطني ، وكذالك تم اعداد مشروع لدستور ، لو طبق على الواقع لتم بناء الدولة المنشودة ، الدولة المدنية الحديثة بعيدا عن سلطة القبيلة.

 لكن القوى التقليدية التي عطلت تنفيذ وثيقة العهد والإتفاق ، هي نفسها التي افشلت تنفيذ مخرجات الحوار الوطني بانقلابها عاى السلطة التوافقية ، بالتحالف مع الحوثيين ، الذين كانوا للأسف جزءاً من ثورة فبراير للشباب وبدعم إيراني واضح ، مما استفز دول الجوار وخاصة السعودية ودول الخليج وجعلها تتدخل عسكريا لإعادة السلطة الشرعية ، ودخلت البلاد في حرب دخلت عامها الثاني ، يعاني المواطن كثيرا من آثارها

لا يوجد في الجنوب من هو ضد القبيلة كمكون اجتماعي حتى الأحزاب بماقيهم الاشتراكي، ولكن أن تصبح سلطة بدلا عن الدولة وإن تسود الأعراف القبلية على حساب الشرع والقوانين أو أن تكون الوظيفة حكرا على فئة معينة أو قبيلة معينة ، هذا ضد المنطق والعقل ومثل هذا العمل سيوغر النفوس بالحقد والكراهية وسيعمق الانقسامات الاجتماعية بين المواطنين .

 
بقلم / الأستاذ فرج عوض طاحس

 

ترك الرد