تقرير خاص: بلدة “شكلنزة” في حضرموت .. حكاية لا يعرفها الأغلبية

 

المكلا (المندب نيوز) خاص

 

تغيب غالباً الأنظار عن معالم واثار وبلدات محافظة حضرموت نتيجة لما تمر به البلاد من ظروف وازمات متتالية وتهميش من قبل الجهات المختصة عبر إنشاء كتاب او ملف يشمل كل مايهم محافظة حضرموت من ادناها الى أقصاها.

 

المندب نيوز” يسلط الضوء على بلدة لا يعرفها الأغلبية من محافظة حضرموت والتي تدعى “شكلنزة” , هذه البلدة التي قد يستغرب البعض من اسمها الذي يشبه البلدان الغربية والتي قد يتفاجأ البعض عن تواجد هذه البلدة رغم خفية حكايتها عنهم.

 

حكاية شكلنزة.. وأصل التسمية:

 

   شكلنزة هي بلدة شمال غرب مدينة الشحر تبعد عنها بحوالي ثمانية عشر كيلومتر حيث أنها كما يشاع قرية محفوفة بالبساتين وأشجار النخيل وتحمّل منها القوافل ما يقرب من مائتي بهار من التمور والحاجات الأخرى من خضار وفواكه ـ البهار خمسة عشرة فراسلة والفراسلة عشرون رطلاً ـ كما أن بها الكثير من المعايين الصغيرة والآبار ويقال أن آخر مزرعة يبست بها لآل (بامؤمن).

 

الباحث احمد عمر مسجدي اجتهد بصورة شخصية حول “شكلنزة” قائلاً لـ”المندب نيوز” : ان هذا ما يقربنا من تسميتها المركبة (شكلٌ نزه) أو (شكل النزه) والشكل هيئة الشيء وصورته ومثله وشبيهه والنزه المكان المزين بالنبات، ومكان نزه بمعنى الأرض التي زينت بالنبات، وللتخفيف النطقي في الاسم المركب الأول أدغمت نون التنوين في (شكل) بالنون الابتدائية لكلمة (نزه) ولفظت مركبة مخففة (شكلنزه).

مشيراً ان في الاسم المركب الثاني أوصلت لام (شكل) بنون (نزه) المشددة بعد تخففيها وتسكينها ولفظت بلهجة بدوية (شكلنزه) وكتبت بالتاء المربوطة. وما هو موجود من آثار زراعية يؤكد خضرتها وهذا التأكيد يؤدى إلى صحة عمرانها وكثرة منتجاتها وإنها طريق للقوافل.

حكاية مخفية:

 

تعد شكلنزة ضمن احدى الالاف التي همشت بمحافظة حضرموت والتي اختفت حكايتها عن الأنظار ولايعلم غالبية أبناء حضرموت عنها او حتى غرباء المحافظة.

 

شكلنزة كما كانت:

 

   تنقسم بلدة شكلنزة إلى ثلاث حويف: شكلنزة وخورية وبابطين وهي مترابطة ببعضها حيث لا تفصلها إلا الأشجار المزروعة التي اشتهرت بها رغم كبر مساحتها عن بقية البلدات السائدة آنذاك.

   عرف عن سكان شكلنزة قبل خراب البلدة أنهم متدينون وحريصون كل الحرص على أداء الصلوات كما قيل لي وبالذات صلاة الجمعة ـ ربما لقلة العدد ـ حيث يغرم من يتأخر عنها بمبلغ خمسة قروش يدفعها إلى عاقل الحارة (عبدان) الذي يسلمها بدوره للحاكم وهذه عادة حميدة ليست عند مزارعي شكلنزة وحدهم ولكن يتعامل بها حتى مع صيادي الشحر كما سمعت من الشيخ سعيد بن عويش عند حديثه عن الصيادين في الأزمنة السابقة بحيث تتوقف كل الأعمال والذهاب إلى المسجد وأحياناً يطلب منهم تأكيد من إمام المسجد الذي أدوا فيه صلاة الجمعة في حالة وجودهم في الحامي مثلاً. وعمل الشكلنزيين بهذا النظام إنما ينم عن تدين وحرص شديد بالعبادات وليس بالعزوف عنها إلى السلا كما يشاع.

    كما كانت في أيام الغزو البرتغالي على مدينة الشحر (1523م) حاضرة وعامرة حيث لجأ إلهيا بعض من أهالي الشحر. كما إنها جامعة القرى والبوادي المحيطة بها في جامعها المسمى (الزاهر) ذو القباب التسع ولازالت بعض قبابه موجودة إلى الآن وربما هو المبنى الوحيد المعروف بشكله في البلدة.

    وقد سمعت من بعض الرواة أن أجدادهم كانوا يصطحبون آباءهم وهم أطفال لأداء فريضة الجمعة في مسجد الزاهر بشكلنزة ومعنى ذلك أنها إلى النصف الثاني من القرن التاسع عشر تقريباً كانت عامرة بالناس ومما يجدر قوله أن بقايا ديارها لا زالت موجودة وقد ذكرها بعض المؤرخين بأنها (الحّوة) مع أن الحوة القديمة تبعد عنها بأقل من كيلو متر تقريباً وهي الأخرى تعرضت للخراب فيما بعد وبنيت من جديد على هضبة صغيرة في محاذاة الوادي من جهة الغرب للحوة القديمة تسمى (المسطان) في عهد قريب وأطلق عليها اسم ( الحوة ) أيضاً.

   ويقال أن سكان شكلنزة تفرقوا بعد الخراب بين الجرادف والحوة و معيان المساجدة (كلها شمال الشحر وتابعة لها إدارياً) وإلى بعض المدن الرئيسية وإلى غير ذلك من البلدان. وحقيقة القول أنه لا يمكن انتزاع الخبر اليقين من أي أحد كان إن كان من أصول شكلنزية لكثرة التداعيات مع احتفاظ البعض بما يثبت ذلك أو ربما لعدمه.

الحكاية العقيمة:

   كثيراً ما تتولد الحكايات الشعبية من تجارب الشعوب وبقدر ما تنتقل من جيل إلى جيل يضيف إليها الرواة ما يستوجب إضافته ويحذفون ما لم تتقبله عقولهم ولهذا نجد أنها تختلف روايتها من مكان إلى آخر بزيادة أو نقصان.

   ووسيلة الإنسان للإنبات وجود الماء الذي هو غاية وسيلتها التقرب إلى الله تعالى ولهذا فكل وسيلة تصبح غاية لوسيلة أخرى. وعلى ضوء ذلك كان اعتقاد الناس أن خراب شكلنزة هو غاية تبرر وسيلة وأن وجود ظاهرة الوسيلة (لفظاً) وانعدامها (حساً) قرب الغاية إلى الخراب. وهكذا أضاف الرواة إلى السبب في الوجود اللفظي للوسيلة أسباباً عدة تولدت عنها حكايات شعبية يوحي بعضها إلى سبب الفساد أو الوباء وبعضها على غير ذلك. وحتى الفساد عمد بعض الرواة إلى تفصيله والسبب في نشأته الذي عازوه إلى النمل في الخراب, كما خرب الفأر سد مأرب وقد قال محمد اليمني الملقب بنجم الدين المتوفى سنة 569 هجرية في ذلك:  

ولا تحتقر كيــد الضعيف فر بما    

تموت الأفاعي من سموم العقارب

وقد هدّ قدماً عـرش بلقيس هدهد    

وخرّب حفر الفأر ســـــد مـــأرب

   وقد اعتبر الوسيط في الخراب هو الفأر كما اعتبر العامة خراب شكلنزة بسب النمل.

   ويقال عن حكاية خراب شكلنزة إن الأهالي طغى عليهم السلوان وجعلهم ينسون أعمالهم وأشغالهم وانشغلوا به أكثر من أي شيء آخر ويبيتون الليل في رقص وشروحات ولهو ومجون ويقضون نهارهم في النوم حتى أفسدوا وبفسادهم سلط الله عليهم حشرة (النمل), فخرب بيوتهم حتى هجروها لصعوبة العيش بمعية النمل المتكاثر وهذا اعتقاد العوام ولا يؤخذ عليه.

وجهة نظر حول الحكاية:

   ونحن هنا لا نجزم بصحتها أو ننفيها وإنما تطرقنا لها من باب الحكايات الشعبية التي التصقت بهذه القرية ولنا في ذلك وجهة نظر تحليلية.

   فإذا بحثنا في الوسيط نجد أن هناك أسباب عدة ووسائل أدت إلى وجوده وهذه فرضية من حيث المبدأ لأننا لا نبني افتراضنا على معتقدات ربما نتجت عن خرافات وحكايات تفنن في وضعها الرواة. وهكذا فكل معتقد نشأ ليفسر خراب شكلنزة ليس بالضرورة صائباً ما لم يقم هذا المعتقد على أدلة وبراهين وشواهد.         

   وإذا قمنا بدراسة ولو نظرية على هذه الظاهرة نجد ما ينفي هذه المعتقدات الخاطئة التي رافقت الناس زهاء القرن والنصف من الزمن أو يزيد، وإن لم تكن لنا خبرة في علم الآثار أو الجيولوجيا فدليلنا يقوم على البعد النظري والمنطق العقلي للمنطقة برمتها حتى تتبين لنا أسباب الخراب.

   وعندما نسمع عن كثير من الحضارات وعن المدن والبلدات التي سادت ثم بادت فليس بالضرورة أن تكون إبادتها لسبب واحد، ربما تكون لأسباب فعلية مباشرة من الإنسان نفسه بفعل حروب أو غيرها أو لأسباب غيبية يعجز الإنسان عن فهمها، سببها ما يحمله في كنهه أو ما يظهر على فعله في غيّه أو لانتشار المرض والوباء والجفاف.

   وإذا ما رأينا في بلدة شكلنزة حاضرة القرى والأرياف من أعمال مدينة الشحر وما تناقلته عامة الناس من حكايات ركيكة حول خرابها كتلك التي تناقلتها كتب التاريخ فيما حدث لبلدة (قابس) التونسية من وباء مع الفارق في فضول القابسيين وسلوان الشكلنزيين الذي يحتاج إلى مبحث خاص لأن أهم دعائمه الشائعات وإن كان من واجب الباحث أن يدوّن الحكايات الشعبية كما سمعها لكن عليه أن يحاول تحليل ما سمعه والتعليق عليه بالمنطق السليم لأنه يعلم أنها ناتجة عن خيال الأميين وأن تفسيرهم لظاهرة ما يدخل عليها الخيال والمبالغة في القول ربما للإفزاع والتخويف أو على النقيض من ذلك للحث على الشجاعة والإقدام وكلها وسائل تثقيفية.

   أما إذا عدنا لخبر الخراب الذي حدث لشكلنزة حسب الرؤية البصرية للآثار الباقية فإنه يرجع إلى شحة المياه بل الجفاف بصورة عامة في تلك المنطقة أدى إلى الخراب ومادامها منطقة زراعية فالجفاف له الدور الأكبر في هذا الخراب. فعندما جفت المعايين يبست الأشجار وأصبحت أرضها قاحلة لا حياة فيها لشجر أو بشر فهجرها ساكنوها إلى غيرها لطلب الرزق أما ما أثير حولها من حكايات شعبية على خرابها وسيطها (النمل) الذي يخرج من قراه في باطن الأرض كالذؤاب جميعاً بحثاً عن الماء والغذاء أعتقد أنه غير صحيح مع أنني قد أسلفت الذكر إن الاعتقاد ليس بالضرورة يكون صائباً ولكن ما تراه العين يبرر ذلك.

   فالسبب الحقيقي هو الجفاف وعزائي في ذلك أن جميع الأراضي في تلك المنطقة شهدت الجفاف بدءاً بشكلنزة ثم المزارع المجاورة لها وعلى مرور الزمن شكلت ما يشبه الحزام الجاف.

   فالحوة القديمة هجرت بعد الجفاف وصارت أطلاًلاًً والحبس منتزه أهل الطرب هجرت أيضاً و الطائف والصويفي بالمثل وليست هذه المناطق و حدها تعرضت للجفاف بينما بلدات أخريات في أماكن كثيرة تعرضت للجفاف وصارت أثراً بعد عين ولم يشع عنها أن خرابها سببه النمل أو الوباء أو الفساد ولأن شكلنزة حاضرة الأرياف السائدة آنذاك وأشهرها، ومنتزه الجميع كان الحديث عنها من باب أولى وقذفها بالحكايات الشعبية الخرافية من باب الدهشة والاستغراب إن لم يكن من باب التهويل.

مباني شكلنزة:

   لو لاحظنا الموجود من أطلال المباني الباقية الأثر في شكلنزة لعرفنا أنها تكاد تكون قريبة عهد نظراً للمواد المستخدمة فيها والتي نعتقد أنها تأتي في المرتبة الثانية من مباني العمارة الريفية إذا ما قايسناه بمباني القرى القريبة منها أو التي تقع في محيطها, ولكن هذا الاعتقاد يبقى قيد الدراسة طالما أننا لم نر سقوف المباني وأبوابها, أو أنها بنيت على أنقاض المباني السابقة وتهدمت بعد النزوح من القرية. وكل ما أتينا به عبارة عن تحليل نظري يحتاج إلى المتخصص ذو الخبرة والدراية.

   فالأثر المتبقي عبارة عن أكوام من الحجارة الصغيرة والمتوسطة التي بنيت بها المباني بواسطة الطين ولم يبق أثر للسقوف أو الأبواب حتى نتحدث عنها. أما المبنى الوحيد المعروف بهيئته الداخلية والخارجية هو مسجدها المسمى (الزاهر) وهو مبني من الطين ومجصص من الداخل والخارج ومسقوف بالقباب التسع الصغيرة التي تهدم منها أربع وبقيت خمس قباب.

   والمسجد هو صغير جداً مبني على شكل مربع وبه أربعة أعمدة ترتكز عليها القباب وتسمى (سواري), أما المواد المستخدمة في بناء جدران المسجد هي المواد المستخدمة في المباني السكنية نفسها من طين وحجارة صغيرة بيد أنها تجصص من الداخل والحارج. أما السقوف فهي على شكل عكوف تعتمد على قوائم عريضة تسمى (سواري) وتنتهي بقباب.

توصيف المسجد:

   يتكون مسجد الزاهر بشكلنزة من غرفة واحدة فقط مسقوفة بالعكوف وعليها قباب صغيرة, ويكون مكان الوضوء خارج المسجد ـ أي قرب البئر الخاصة بالمسجد ـ وحافة البئر مرتفعة قليلاً عن سطح الأرض بمساواة حوض الماء ولكن يظهر أن حافة البئر قد تهدمت من الجانب الشرقي, حيث كانت تركب في أعلى حافة البئر قطع من الخشب تسمى (تشروع) وتثبت عليها العجلة التي تسمى (البَكرة) ولها مقود يساعد العامل على الذهاب والإجاب من وإلى حافة البئر لشد الحبل المسمى (السره) وتجمع على (سرين) وذلك في أثناء طلوع الماء في الدلو وتسمى (نزاحة) ثم ارخائها عند نزول الدلو إلى قاع البئر, وتسمى هذه العملية التقليدية بـ (السناوة), كما يجدر بنا القول أن الدلو في أثناء السناوة يكون مثبت بعود يسمى (اللغبة), والعود مثبت به حبل طويل يحمله العامل بحيث إذا طلع الدلو مملوء بالماء يجر الحبل المثبت فيه لينسكب الماء في الحوض الخاص به, علماً بأن هذا الحوض متصلة به ساقية (عتم) يجري فيها الماء إلى مكان الوضوء (المقلد). وبجانب المقالد مكان الآذان الذي يصعد إليه المؤذن على درج (رقاد) مكون من خمس درجات, وليس لمسجد الزاهر منارة.

1 ـ الباب العام:

   وهو مدخل المسجد الرئيس على سطح الأرض حسب مستوى المسجد

3 ـ أماكن الوضوء:

   وتسمى عندهم (مقالد) وهي عبارة عن برك مائية صغيرة غير مسقوفة ومغلقة بأبواب وتقع بحري المسجد, وينقسم المقلد إلى قسمين متساويين في المساحة تقريباً: الأول كحوض للماء والآخر مساوٍ لسطح الماء لكي يتسنى الوقوف عليه لخلع الثياب استعداداً للغسل ويسمى (الراحة) ويكون في أعلى الحوض رف لوضع الثياب أثناء الطهور أو الاغتسال, ويعتبر سقفاً صغيراً لحوض الماء. ودائما ما يجدد فيها الماء على أسبوع تقريباً ويسمى (تنشيط).  

4 ـ الصحن:

   ويسمونه (الضاحي) ويوجد على الجهة الشرقية للمسجد, وهو فناء لا بأس به من حيث الاتساع وغير مسقوف ويؤدي فيه المصلون الصلوات أيام الصيف والخريف ما عدا صلاتي الجمعة والظهر والعصر فيؤدونها في الداخل نظراً لحرارة الشمس. 

5 ـ الحمام:

  وهي التسمية المتداولة للجزء المسقوف من المسجد وفيه تؤدى الصلوات لكونه الجزء الرئيس في المسجد وله باب واحد فقط باتجاه الضاحي لدخول المصلين وفي الحمام يكون المحراب (القبلة) وهوعبارة عن بناء محدب الشكل من أعلى يتجه تجويفه نحو الخارج في منتصف الجدار ويتسع للإمام فقط, وبجانبه المنبر المبني, وله درجتان فقط (أي رقدتان), وبداخله خلفتان في أصل الجدار ولا تشرفان للخارج وذلك لوضع المصاحف فيهما, كما يوجد في أعلى الجداران من كل الجهات منورين اثنين للتهوية والضوء.

6 ـ المئذنة:

    ويسمونها (منارة) وهي مبنى مرتفع يقع بجانب المقالد ويشرف على البئر من الجهة الشرقية البحرية وهي لا تشبه المآذن الحالية لكونها عبارة عن سطح (ريم) غير مسقوف بحيث يطلع المؤذن على هذا الدرج (الرقاد) الصغير بعدد خمس رُقدات ومفردها (رقدة) ويؤدى فيها الآذان للصلوات الخمس.

 

حضرموت:

حضرموت هذه الأرض التي تخفي باطنها الالاف من الأشياء التي قد لا يراها البعض مهمة او قد لا يعلمها ابدا وهي بنظر الاخرين شيء ثمين لا يقدر بثمن , فحضرموت تمتاز بآثارها وثرواتها ومكانتها الاجتماعية وشعبيتها وحضرميتها وخضرمة شعبها.

 

*ملاحظة : التقرير خاص لـ”المندب نيوز”  بالتعاون مع الباحث احمد عمر مسجدي

ترك الرد